مقالات

قصر معاشيق تحت الحصار..

18/08/2023, 07:03:47

حين تتسع الفجوة بين أطراف الحكم في عدن، أو القوى المتصارعة على السلطة هناك، يكون قصر معاشيق الساحة الأولى لبدء المناوشات.

قبل أيام، وقعت حادثة ليست عادية، ولا هي مجرد احتكاك لحظي عارض، بل واقعة تكشف مستوى الصدام بين أقطاب السلطة الواحدة: المجلس الرئاسي والحكومة من جهة، والقوة المهيمنة في عدن (الانتقالي وحلفاؤه) من جهة أخرى. 

تمثلت الحادثة بحصار قوة مسلحة لشخصية رئيس الوزراء في مقر إقامة في قصر معاشيق، بل واقتحام مكتبه بالقوَّة. ولولا أن الرجل تنبّه لخطورة الموقف وغادر، لربَّما كان الموقف تصاعد المشكلة نحو مستوى آخر. إذ ليس بمستبعد أن الهدف كان التخلص من رئيس الوزراء نهائيا، واعتبار الأمر مجرد حادثة عرضية وانفلاتا غير مقصود. 

لا يذهب خيالكم بعيداً، وتعتقدون أن ذلك مؤشراً لهشاشة السلطة. لقد تدخل رئيس المجلس الرئاسي، ومارس صلاحيَّته في احتواء الموقف. أما ما الذي قام به..؟ مباشرة أحال القضية إلى لجنة للتحقيق. وهذا الإجراء يعرفه اليمنيون جيّدا. فحين يرغب مسؤول ما أن يضع حداً لموضوع ويتخلص منه يسنده نحو لجنة تحقيق، ويُطمئن نفسه والآخرين أن الأمور تحت السيطرة. فما هو مهم ليس كشف جذور الحادثة، أو شرح ما حدث للناس، وانتزاع السبب الكامن خلف المشكلة بشكل نهائي، هذا ليس مهماً كثيراً، فالغاية تهدف إلى حجب الواقعة الظاهرة فحسب. 

من أين جاء المسلحون..؟ وكيف وصلوا إلى داخل مكتب رئيس الوزراء..؟ قيل إن المسلحين يتبعون عضواً في مجلس الرئاسة؛ لهذا تمكنوا من اختراق كل الحواجز، والوصول إلى مقر إقامة رئيس الحكومة، هذه مليشيا ذات سلطة ونفوذ، يا أخي. 

بالطبع، هذا حدث صادم، ينسف كل ادعاءات المجلس الرئاسي بكونه السلطة المتحكِّمة بمجريات الواقع في عدن. نحن أمام واقعة تمنحنا تشخيصاً كاملاً لمدى امتلاك المجلس صلاحياته من عدمه. 

محاصرة رئيس الوزراء في قصر معاشيق حدث يؤشر إلى طبيعة الغد المنتظر، وإلى ماذا يمكن أن تؤول الأمور في عدن. ومع ذلك لا يمانع رئيس المجلس من التغطية على الحدث، ومواصلة أداء دوره المجرَّد من أي سلطة حقيقية على العاصمة، ولا حتى على مقر حكمه؛ لكأنَّه يلعب دوراً تجميلياً، وربَّما تكميلياً، حتى المشهد الأخير من المسرحية. 

كل شيء يؤكد بشكل قاطع أن مستقبل المجلس الرئاسي مجهول؛ بل ويكاد يكون الوضع محسوماً لصالح القوى الموالية للإمارات. وسواء استمر الوضع هشاً ومخلخلاً كما هو الآن، حالة ضبابية مائعة، أو انفجر بشكل نهائي وواضح؛ فالنتيجة شبه حتمية وسوف يعود الوضع إلى النقطة صفر. ونقطة الصفر هنا نعني بها فيما يخص النجاحات المفترضة لصالح مشروع الدولة اليمنية الجامعة. إنها تتلاشى كل يوم أكثر، وسوف يرتد الوضع نحو العدم، تماما كما كان لحظة طرد القوات الموالية للرئيس هادي، وإعلان الانتقالي نفسه طرفاً وحيداً متحكماً بالفضاء العام في العاصمة عدن، وما حولها. 

كل ما فعله المجلس الرئاسي هو أنه منح الانتقالي فسحة لتعزيز حضوره وتوسعة مجال سيطرته في الجنوب، وبكلفة أقل. وسوف يستمر في التغطية على حقيقة الوضع، حتى يأتي صباح ويتلاشى الوهم تماماً، ويتأكد الجميع بشكل قاطع أن الوعود بدولة موحّدة وقويّة مجرد بخار في الهواء، وأن مصير البلاد رهن بقوى منفلتة، اختطفت رآية الشرعية، وتواصل تقديم الخدمات لمن يموِّلها، ومستعدة للعبث بمستقبل الناس إلى ما لا نهاية. 

الخلاصة: توارت الإمارات قليلاً خلف ستار شكلي، انسحبت بصفة رسمية، أو هذا ما صار معروفاً للناس، لكنها كثفت من نشاطها عبر أذرعها، وتضاعف هيمنتها على الوضع. لقد صار لها حوالي نصف المجلس الرئاسي بكل ما تمثله تلك العناصر من قوة عسكرية وحضور واقعي، وغدا مصير الجنوب بكامله تقريباً شبه مضمون لصالحها، مع وجود ذراع شمالية تدين لها بالولاء نفسه. 

لن تتوقف الإمارات هنا، ولن تكتفِ بمجرد حيازة القوّة والنفوذ؛ فالغاية هي السطو النهائي على مصير البلاد، وتحديداً الجزء الجنوبي من اليمن بكل ما يمتاز به من موقع جغرافي وسواحل وجزر؛ ستمضي في إزاحة ما تبقى من حضور شكلي ورسمي لأشخاص ليسوا متماهين مع مشروعها التفكيكي، وتواصل احتلال كامل مواقع السلطة والقرار. 

لقد أحرزت الإمارات نقاطا كثيرة، تمكنت من تلبيس العناصر الموالية لها رداء ذا صبغة شرعية. عزلت المحافظين الجنوبيين المناوئين لها - شبوة نموذجاً- وقرّبت حضرموت نحو ضفتها. لربّما أن عيونها الآن متجهة نحو تدبير طريقة لعزل رئيس الحكومة، والإتيان بشخص كامل الانحياز لها -وما حادثة حصاره في معاشيق، والتبريرات التي رافقت الحدث من قِبل النوافذ الإعلامية والأشخاص الممثلين لتلك القوة، سوى دليل صغير على الرغبة بعزل الرجل- ثم بعد أن تحسم هذه الخطوة، سيكون التخلص من العليمي، ومن تبقى معه، مجرد لهو خفيف وخطوة أخيرة، نحو حلمها الخطير بتشطير البلاد كليا.

قصر معاشيق تحت الحصار، هذا نبأ يؤشر إلى زحوفات انقلابية جديدة. ذلك أنهم انتهجوا أسلوب القضم التدريجي للسلطة، وبتعبير أدق، الانقلاب المتدرِّج، والغاية الواضحة: تفكيك الكيان الوطني وإعلان الإمارات نفسها: الوصيّ الأول على مصير الناس والبلاد.

مقالات

إسرائيل ولبنان.. حرب أو لا حرب؟!

أولاً: احتمالات الحرب حاليًا قائمة، ليس مع لبنان وحدها، وإنما مع دول الجوار: مصر، والأردن، وسوريا، ولبنان منذ احتلال فلسطين، وقيام الكيان الصهيوني في 1948، وهي الآن قائمة بصورة مباشرة مع الأمة العربية كلها، رغم تهافت الدول المطبعة وذِلتها.

مقالات

طفولة أعياد القرية!

ذكرياتنا الندية عن أعياد الطفولة شجن لا ينتهي. الحنين للمّة العائلة الكبيرة، الأحضان الدافئة للأب والأم والجدات، مرح أرواح الأطفال وهي ترسم العِيد ببهجة جذلى للقلوب الغضة، أصوات الألعاب النارية وهي تقرع جرس إيذان العِيد بالمرح الشقي، عناق الأهل وزيارة الأرحام والأقارب، سلام الجيران وتهانيهم العِيدية "المقدسة"، وعلي الآنسي.

مقالات

حكاية الزَّمَار سعيد الفاتش (2-2)

لشدّة ما كان الفقيه مقتنعاً بنجاح خطته وصوابها من الناحية الشرعية، هجم على الفاتش لينتزع منه مِزمَارَه، ولِيزيلَ المنكر بيدِه عملا بالحديث الشريف؛ لكن الزمَّار سعيد الفاتش -رغم مرضه- كان مازال قوياً، وكانت يداه مازالتا قادرتين على الضرب والبطش، ثم إنه كان منتبهاً ومتوقّعاً وجاهزاً للرد، وبمجرد أن اندفع الفقيه لينتزع المِزْمَار منه سَلّ مِزْمَارَه المعمول من خشب صلب، وضرب به الفقيه ضربةً في يده، التي امتدت لأخذ مِزمَارِه، لكن تلك الضربة لم تشفَ غليله من الفقيه، الذي ألحق به الكثير من الأذى. ولشدة ما كان موتوراً منه، ضربه ضربةً قويةً في رأسه جعلت الدَّم ينبجس غزيراً، ولحظتها صَرخ الفقيه صرخةً أفزعت وكيل الشريعة حمود السلتوم، والحاج علوان، حتى أنهما بدلا من أن يهجما على الزَمَّار -بحسب الخطة - لاذا بالفرار.

مقالات

حكاية الزَّمار سعيد الفاتش (1-2)

كان سعيد الفاتش زمَّاراً ومغنياً وقارع طبل، وراقصاً موهوباً، وحكاءً وإنساناً جميلاً، وكان مدرسةً في الحب يحب الناس ويحب الحياة ويعيشها بشغف، ويجعل كل يوم من أيامه عيداً ومهرجان فرح

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.