مقالات

للتأمُّل، لا للقراءة فقط!

29/08/2021, 16:10:49

تعود كابول للسقوط مجدداً في أحضان 'طالبان'. ما يعني إعادة تدوير الحدث التاريخي نفسه على صورته الثابتة لا المتحولة، بغضّ النظر عن اللبوس - الهزلي أو المأساوي - الذي يتبدّى في هذه الصورة، هذه المرّة.

كان الصحافيون والمحللون السياسيون قد كتبوا وتحدثوا كثيراً - يوم دُحرت طالبان قبل عقدين من الزمان - معتقدين بأنها نهاية مرحلة وبداية أخرى، وأن التاريخ سيواصل الخُطى على منواله الثابت كما رسمه الأمريكان على ذاك الصعيد.

ولم يَدُرْ في خَلَد أحد منهم يومها أنهم سيضطرون إلى استئناف الحديث حول الحدث ذاته، بعد أن كانوا قد وضعوا نقطة ختام في آخر السطر، أو سطّروا كلمة "النهاية"!

وها هي 'طالبان' عادت اليوم للتصرُّف بمصير أفغانستان وشعبها، وربما بعض البلاد والشعوب المجاورة، على حسب معتقدها وهواها، أو بحسب مخططاتها أو رغبات سواها. ومثل هذا الكلام يُقال اللحظة بغضّ النظر عمّا إذا ذاك التصرف سيكون مُطابقاً لما كان سائداً لدى طالبان حين أطبقت على عنق أفغانستان في المرة السابقة، أم أن ثمة نسخة جديدة ومُعدّلة من هذه الجماعة تفرض عليها تصرفاً جديداً يلتقي إلى حدٍّ ما مع إيقاعات الوضع الدولي والإقليمي الراهن ولو شكلياً أو ديماغوجياً.

ومهما كان ما سيحدث لاحقاً من ترتيبات سياسية أو مفاجآت سينمائية في هذا المضمار، فإن التاريخ قد قال كلمته مجدداً ،، وكررها للذين لا يفقهون من المرة الأولى، مؤكداً أنه دائرة متصلة الحلقات، لا تنتهي أبداً ولا تنقطع البتة. ولا مجال للدهشة الفادحة قبالة أيّ مشهد يطرأ غداً في البانوراما الأفغانية.

وللتذكير فقط، فإن هذه الحقيقة ليست بنت اليوم الأفغاني أو الطالباني، فقد سبق وعشناها - نحن اليمنيين - مرة ومرات حتى هذه اللحظة، بارادتنا أم حتف أنوفنا! ... وسأورد أمثلة على ذلك 

ذات يوم، ظن الثوار اليمنيون (في أكتوبر جنوباً، وفي سبتمبر شمالاً) أنهم يقطعون بشكل حازم جازم في تشكيل لوحة التاريخ السياسي اليمني الحديث والمعاصر .. غير أنهم كانوا مُخطئين تماماً.

فقد اعتقد أولئك الثوار (ومعهم محمد محسن عطروش في عدن، ومحمد البصير في صنعاء) أنهم دحروا الانكليز والسلاطين وعملاءهم والاِمام وآله وعياله وأذياله... إلى غير رجعة، وبالمطلق.

لكن في مكانٍ خفي من كواليسه المُعتمة، كان التاريخ يتحدث لغةً لا يجيدها - بل لا يحب سماعها - كثير من البشر، ليس لجهلٍ غالباً، بل لمُكابرة!

وهذا ما يُحتّم على المرء إذا ما أراد الخوض في الحدث السياسي أو ما يشبهه من أحوال الحياة، أن يُنهي حديثه بعبارة: إن شاء الله .. أو: والله أعلم. فلا يُجزم بأن ما يقوله قاعدة علمية مانعة لا تقبل النقض، ولا إرادة ربانية قاطعة لا تقبل التأويل! 

وكان أستاذ المادية الجدلية والتاريخية في معهد باذيب (ومئات المعاهد مثيله في العالم) يقول كلاماً لا يقبل بعده الرفض ولا النقض، ولا حتى الرأي الآخر والجدل، كمثال الزعم باستحالة سقوط الأنظمة السياسية الاشتراكية في أي بقعة في العالم، وفي أي لحظة من الزمن. وأنا أتحدث هنا عن الأنظمة، لا عن الأفكار.

وكنا مؤمنين بهذا الاعتقاد الراسخ حدّ الإيمان المطلق، حتى إننا كنا نردد دائماً، ونحن نكرع كؤوس الفودكا، واصفين هذه الخمرة الخارقة بأنها "نقية نقاء الأفكار الماركسية .. وقوية قوة السلطة السوفييتية"، قبل أن نكتشف -في وقت لاحق- أنه حتى الفودكا صارت مشروباً مغشوشاً ووارد جيبوتي، ومثلها الأنظمة الاشتراكية التي تساقطت كأحجار الشطرنج أو الدومينو في رقعة السياسة الدولية! 

أما أستاذ التاريخ - في المدرسة أو الجامعة - فكان على الدوام يؤكد على حتمية اندحار ظاهرة الاحتلال الأجنبي من الواقع اليمني، مُستعرضاً ما حلَّ بصنوف وجنسيات الاحتلال الأجنبي المختلفة من فارسي وحبشي وبرتغالي وتركي وبريطاني وغيرها كثير .. غير أن هذا الأستاذ، ونحن من ورائه، لم نكن نعتقد يوماً - ولو من باب النكتة السوداء - أن اليمنيين سيتحدثون ذات يوم عن احتلالٍ سعودي أو إماراتي!

إنما الأنكأ - في هذا الموضوع كله - أن عدداً من دكاترة المادية الجدلية المادية والتاريخية ومُحاضري التاريخ والسياسة وعلم الاجتماع والفلسفة، صاروا دكاترة في مادية الريال وجدلية العقال وتاريخ الارتزاق وفلسفة العمالة، فإذا أنبرى أحد للهجوم اللفظي العابر على الرياض أو أبوظبي، احتشدوا له بسهامٍ مسمومة ورماحٍ مثلومة!

لم يكن اليمنيون يوماً عملاء حقاً ولا مرتزقة، إنما اليمني إذا ما سلكَ طريق العمالة ودرجَ في درب الارتزاق، فإنه يغدو بالغ الحقارة وشديد النتانة إلى درجة لا يتصورها الأخ إبليس شخصياً ..

وإذا كانت شعائر الحج والعمرة - ذات زمن وذات يمن - قد انقسمت بين الحرمين واللجنة الخاصة، فإن الغلبة كانت في غالب الأحوال للثانية.. وكان بعض اليمنيين يُودّعون محمداً في هذا الحرم أو ذاك، ليُقبلون يد سلطان أو كمال أدهم في اللجنة! .. وقد صارت ثمة لجان خاصة، لا واحدة، في معظم الأقطار الخليجية.

ولم يخسر اليمنيون هُوياتهم قط، ولا احترامهم لأنفسهم، وهم ينقسمون بين معسكر أمريكي وسوفييتي وصيني.. ولا بين اتجاه تروتسكي وماوي وستاليني.. ولا بين انتماء يساري وقومي وشوفيني وإخواني.. لكنهم اليوم باتوا مؤهلين للانقسام الحاد بين وطنيين وإسرائيليين، أو قوميين وصهاينة، أو بين سعوديين وإماراتيين.. وهذي لعمري نهاية التاريخ والهُوية والآدمية في هذي البلاد!

أما الحج والعمرة فلن يكونا إلى الحرمين، ولا حتى إلى تلك اللجان الخاصة قريباً جداً، بل إلى تل أبيب!

مقالات

الثأر السياسي.. وهم الانتصار وجدلية التغالب في اليمن

اليمنيون لن يعبروا «المضيق» على حد وصف كبيرنا، طالما أن حاضر كل جيل من الأجيال المتعاقبة محكوم بفكرة الثأر السياسي التي يتم تناقلها وجدانياً في ذهنية الحكام والمكوّنات والنخب السياسية المتغالبة، مثلها مثل تناقل الجينات الوراثية بين الأبناء والأحفاد، وهكذا دواليك هو تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر مع لغة الثأر السياسي في اليمن.

مقالات

جنرالات عُكفة ومعلمون أبطال!

في اليمن قادة وجنود عسكريون شرفاء، سطروا أسماءهم في جبين الدهر، قاتلوا عن شرفهم العسكري واختاروا أن يكونوا في الجانب الصحيح من التأريخ، "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر"؛

مقالات

رشاد العليمي.. ليس البطل

تحتاج البلاد لبطل من نوع مختلف. "المهاتما غاندي" أو " نيلسون مانديلا" ونماذج مشابه، شخصية استثنائية قادرة على أن ترتفع فوق الوجود السياسي المبعثر وتلمُّه بذراع واحدة. هذا ليس حنينًا للمسيِّح المخلِّص ولا هو مقترح نابع من شعور بالضعف والهوان ولجوء للقوة الباطشة. لكنها لحظة تستدعي ظهور نموذج أعلى، يقول واقعنا، أن وظيفته تكمن هنا والآن.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.