مقالات

ما الفرق بين عبد الملك الحوثي وطارق عفاش..؟!

17/12/2020, 07:48:32
المصدر : غرفة الأخبار

في جميع هزائمنا المتكررة على مدار التاريخ اليمني الحديث، كانت البداية من فكرة "المساومة"، والمساومة هنا هي تقبّل التنازلات في مبادئ خطيرة عند تعاملنا مع خصوم الدولة، وهو تنازل يُغري الخصم بمزيد من التعنّت ويُشرعن له سلوكه الشاذ. يحدث هذا حين تتقبل الدولة هذا الطرف أو ذاك دون أي شرط مبدئي يُلزمه بتعديل سلوكه أو انتزاع اعترافات نظرية وعملية منه، لضمان تأسيس حياة مشتركة معه دون مهددات. 

حدث هذا في مصالحة الجمهوريين مع الملكيين، نهاية السبعينيات، وما أنتجه الأمر من تفريغ للجمهورية من مضمونها، حتى أضحت فكرة مشلولة لم يتبقّ منها سوى الشكل والإطار، وتكرر الأمر طوال تاريخ الدولة اليمنية الحديثة، وصولًا إلى الحوثيين وقبولهم كطرف مشارك في فعاليات المرحلة الانتقالية، مع بقائهم محتفظين بسلاحهم، حتى حانت اللحظة وانقضوا على كل شيء، وها نحن أمام بداية جديدة لتكرار القصة مع طارق عفاش، وهي محاولة ما تزال في أطوارها الأولى، وتحمل الخِداع السابقة ذاتها. 

تجري اليوم محاولات عديدة للتعامل مع طارق عفاش كقوة وطنية يتوجّب احتواؤها داخل الصفّ الجمهوري، باعتبار واحدية الهدف بينه وبين المعركة الوطنية المناهضة للانقلاب الحوثي، غير أن توحّد الخصم لطرفين؛ ليس ضمانًا لمستقبل آمن بينهما، ما لم تتأسس المعركة على جملة أهداف موحّدة وقيادة متسلسلة ينصهر فيها الجميع، بغية الوصول إلى مصير متفق عليه. 

فإذا كنا نقاتل الحوثي اليوم؛ لكونه منقلبا على الدولة، ونطالبه بتسليم سلاحه، وقطع صِلاته بالدول الداعمة له، والقبول بتسوية غير مشروطة، يعود فيها كقوة مدنية من ضمن أطياف المجتمع، فإن السبب ذاته الذي نقاتل من أجله الحوثي متوفر لدى طارق عفاش، باختلاف الوجهة والشعار الذي يرفعه كل طرف منهما.. والسؤال هنا ما الفرق بين الحوثي وطارق عفاش..؟ 

الأول قائدُ عصابة مسلّحة متمرّدة على النظام، وتعمل خارج القانون، والثاني ضابط يقود تشكيلات مسلحة بلا مرجعية قانونية. الأول أصدر توجيهاته لجماعته بقتلنا وشنّ حروبها ضد المجتمع، والثاني يؤسس سجونه الخاصة ويعتقل الناس دون أي مسوغ قانوني ويتآمر لتفكيك سواحل البلاد. عبد الملك الحوثي يتلقى أوامره من طهران، ويعمل باستشارة الحرس "الثوري الإيراني"، وطارق عفاش يتلقى أوامره من أبو ظبي ويخضع لتوجيهات الضباط الإماراتيين. كلاهما قائدان متمردان، لديهما امتدادات عابرة للدولة اليمنية، ويشكلان خطراً على النظام الجمهوري وسيادة البلاد..

ما الفرق إذاً، ما دام الطرفان يملكان قوة عسكرية غير خاضعة لأي التزامات قانونية، ولا يمكننا إخضاعها لأي إطار ناظم لتحركاتها، وبما يضمن انضباطها في المسار العام للدولة والشعب..؟

إذْ لا يكفي أن يرفع طارق عفاش شعارات الجمهورية؛ كي نضمن ولاءه لها، فلكل طرف جمهوريته الخاصة التي يدافع عنها، الحوثي يحكم في صنعاء تحت رآية الجمهورية، وطارق عفاش يؤسس لجمهورية ساحلية يهدف بواسطتها إلى استعادة مجد أسرته، وهو ما يجعل محاولات التناغم معه نوعا من المساومة الخادعة للمستقبل. 

إن محاولة احتواء طارق تحت مبرر وهمي، يتمثل بتقاربه معنا على مستوى الشعار، هو أمر يعكس سذاجة سياسية أكثر منه تعبير عن سلوك براجماتي أو حكمة مجدية، فلا يكفي أن تكون لطيفا مع خصمك؛ كي تحيِّد خطره. لجانب ذلك، فالأمر يخلق مشكلة على صعيد المبدأ، الذي نناضل من أجله، إنها سياسة المساومة التي تسهم في تفسِّخ المبدأ الذي نتعامل به مع الطرفين، ففي الوقت الذي نناهض فيه مليشيا الحوثي، نغضّ الطرف عن مليشيات مماثلة، هذه الازدواجية لا تسهم في توحيد الصفّ الجمهوري، بل تكرّس لواقع هجين وتخلخل مبادئ الدولة، التي نقاتل من أجلها.

مرّة ثانية، الأمر لا علاقة له بحقدنا على عفاش وأسرته، لكن المشكلة الآن تتمثل في أن طارق عفاش ما زال يتحرك بلا أي صفة قانونية حتى اللحظة، الرجل لم يُنهِ تمرّده بعد، هو فقط غيّر وجهته من الضفة الأولى إلى الضفة الموازية، كان ضابطا يعمل أجيرا مع جماعة داخلية تحتلّ البلاد بقوة السلاح، وفي لحظة ما اختلف معها، ونقل عمله مع قوة خارجية تؤدي الغرض نفسه وتتحرّك خارج الأطر الدستورية والشرعية للدولة اليمنية. 

والسؤال المركزي الآخر هنا: من الذي عيّن طارق عفاش قائداً لجبهة الساحل..؟ من أين يتلقى الضابط أوامره؟ كيف تحول بين يومٍ وليلة من ضابط يقود حربا ضدّ اليمنيين إلى مخلِّص لهم؟ ماذا قدم من تعهدات واعترافات؛ كي يثبت جدّيته في هذا التحول، ويحسم مسألة تمرده..؟ بالطبع، لم يفعل شيئا، نقل بندقيته من الكتف الأول إلى الكتف الثاني، وغيّر كفيله فحسب، بعد أن طرده الكفيل الأول.

والحال هذا، حيث كل المعطيات تؤكد لنا مفارقة الرجل لمشروع الدولة اليمنية المنشودة، تكون الأصوات الداعية إلى التصالح معه نوعا من مغالطة الذات، وتمهيدا لفخ جديد ينصب لليمنيين، وسوف يدفعون ثمن التواطؤ معه باهظا، ما لم يتمسكوا بمعايير صارمة في التعاطي مع ما يمثله الرجل من تهديد لحاضرهم ومستقبلهم معا. 

باختصار: كما صنعت إيران، على المدى البعيد، في تغذيتها للحوثي كذراع نفوذ تابع لها، تعمل الإمارات على إعادة تدوير نفايات عفاش وغسل جرائمهم؛ بتقديمهم كقادة أقوياء واستخدامهم كأداة نفوذ مستقبلية، سواء داخل القوات المسلحة اليمنية أو خارجها، الهدف واحد مع فارق الزمن وطبيعة الأداتين والجهتين الواقفتين خلفهما. 

إلا أن المشكلة تكون أكثر فداحة حين نُسهم بأنفسنا في إصباغ الصفة الوطنية على قوات طارق، بهذا نسدي له مشروعية تعقّد معركتنا لبسط سيادة الدولة على الجميع بمن فيهم هو وقواته، خصوصا حين نفعل ذلك دون أن يكون هناك أي تجاوب منه أو استعداد للعمل بمقتضى هذه المشروعية، التي نهبها له بالمجّان. 

أخيرا: ليست لدينا مشكلة مع أن يصبح طارق ضابطا يقاتل ضدّ الحوثيين؛ شريطة أن يفعل ذلك تحت إطار الجيش الوطني للبلاد، ويتلقى أوامره من رئاسة الأركان اليمنية، ويقبل بالعمل في أي جبهة يوزع عليها، كجنديّ مثل باقي الجنود اليمنيين، على أن يلازم ذلك قطيعة شاملة مع تاريخه، وينسى تماما أنه كان ابنا لأسرة حاكمة اندثر مجدها، ويعمل وفقا لمعطيات اللحظة الراهنة، وبما يتناغم مع أحلام الناس بدولة مدنية عادلة لا امتياز فيها لأحد.

مقالات

الثأر السياسي.. وهم الانتصار وجدلية التغالب في اليمن

اليمنيون لن يعبروا «المضيق» على حد وصف كبيرنا، طالما أن حاضر كل جيل من الأجيال المتعاقبة محكوم بفكرة الثأر السياسي التي يتم تناقلها وجدانياً في ذهنية الحكام والمكوّنات والنخب السياسية المتغالبة، مثلها مثل تناقل الجينات الوراثية بين الأبناء والأحفاد، وهكذا دواليك هو تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر مع لغة الثأر السياسي في اليمن.

مقالات

جنرالات عُكفة ومعلمون أبطال!

في اليمن قادة وجنود عسكريون شرفاء، سطروا أسماءهم في جبين الدهر، قاتلوا عن شرفهم العسكري واختاروا أن يكونوا في الجانب الصحيح من التأريخ، "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر"؛

مقالات

رشاد العليمي.. ليس البطل

تحتاج البلاد لبطل من نوع مختلف. "المهاتما غاندي" أو " نيلسون مانديلا" ونماذج مشابه، شخصية استثنائية قادرة على أن ترتفع فوق الوجود السياسي المبعثر وتلمُّه بذراع واحدة. هذا ليس حنينًا للمسيِّح المخلِّص ولا هو مقترح نابع من شعور بالضعف والهوان ولجوء للقوة الباطشة. لكنها لحظة تستدعي ظهور نموذج أعلى، يقول واقعنا، أن وظيفته تكمن هنا والآن.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.