مقالات

مدرسة الاجتهاد ورفض التمذهب

17/12/2021, 10:49:01
بقلم : محمد صلاح
المصدر : خاص

شهدت اليمن -منذ القرن الثامن الهجري وما تلاه- حراكا علميا ومعرفيا، فاق ما سبقه من عهود، بحيث امتازت بالتواصل المعرفي بين اتباع المذهبين في اليمن، الزيدي والشافعي، وتتلمذ اتباع كل مذهب على الآخر، وقد نتج عن هذا التلاقح الفكري، والتبادل العلمي بزوغ مدرسة الاجتهاد اليمنية التي نبذت التعصب، ورفضت التمذهب.

كما خطت مدرسة الاجتهاد خطوات واسعة مع إطلالة العصر الحديث، ابتدأ بالعلامة والمجتهد المطلق الحسن بن أحمد الجلال (ت 1084هـ/ 1673م)، والعلامة المجتهد المطلق صالح بن مهدي المقبلي (ت 1108هـ / 1728م)، والعلامة المؤرخ يحيى بن الحسين بن الإمام القاسم (ت 1099 هـ)، تيارا رافضا للمذهبية السياسية، التي سعى لترسيخها المتوكل على الله إسماعيل (ت 1087 هـ)، الذي كاد أن يخلق انفصالا مذهبيا داخل المجتمع اليمني، بسبب ممارساته السلطوية، وقراراته المالية والاقتصادية، والضرائب التي فرضها على المناطق ذات الانتماء إلى المذهب الشافعي، دون دليل أو حجة شرعية، بل استنادا إلى الرأي، الأمر الذي دفع بالجلال، ويحيى بن الحسين، وغيره من العلماء، إلى التصدّي له، والوقوف في وجهه، وتفنيد حججه، بل إن الجلال بسبب ممارسات جنود المتوكل، والخراب الذي عاثه الجيش في مناطق المشرق، رفض سيطرة الزيدية على مناطق الشافعية، بحجة اختلاف المذهب، وذلك لمنع هيمنة مذهب على مذهب آخر، كما يظهر ذلك في رسالته "براءة الذّمة في نصيحة الأئمة".

وفي الوقت ذاته، عارضت مدرسة الاجتهاد مصادرة أموال الخصوم، ورفضت فرض الإتاوات، والضرائب التي تفرض على المجتمع بحُجة مقاتلة المخالفين.
وقد عارض عدد كبير من علماء اليمن "التكفير بالتأويل"، أو "التفسيق بالتأويل"، ولم ينحصر ذلك بعلماء مدرسة الاجتهاد، بل إن جماعة كثيرة من علماء وأئمة الزيدية قد رفضوا ذلك أيضا، ولم يقبل أحد منهم تلك الإلزامات التي كان بعضهم يُلزم بها خصومه عبر الجدل.

 كما واجه علماء مدرسة الاجتهاد إصدار الفتاوى التي كانت تنطلق من الرأي، ولا تسندها حجة، أو دليل، وأكدوا أن الاجتهاد يجب أن يُبنى على سند من القرآن والحديث النبوي.

أسست الطروحات، التي قدّمتها مدرسة الاجتهاد، رفض المرجعية الدّينية لأي شخص كان، سواء كان حاكما سياسيا أو عالما دينيا، وقاومت فرض مرجعية مذهبية، تفرض أحكام مذهبها على بقية أبناء المجتمع، ويظهر ذلك من خلال حرص الإمام الشوكاني على دعوة الأفراد إلى الاجتهاد، بهدف كسر أحقية السلطة في فرض أيديولوجيتها الدينية، والمذهبية، التي تخدم مصالح الطبقة السياسية.

كما سعت إلى منع العلماء، وفقهاء المذاهب، من استغلال الدين، ووضعه تحت خدمة الجماعات المسيطرة، واعتبار العلماء واسطة بين الله وعباده، "وقد أثمرت تلك المواقف الخالدة صفوة مستنيرة ترفض الكهنوت، وترفض تقسيم

المسلمين إلى رجال دين ورجال دنيا، وتؤمن بأن الإسلام دين يرفض الواسطة بين الإنسان وخالقه، دين لا مكان فيه لمؤسسة دينية أو مراجع مقدّسة تمنح صكوك الغفران، تقدّمها للبعض وتمنعها عن آخرين" [د.عبدالعزيز المقالح، "المثقف والسلطة النموذج اليمني"، ص147، مجلة "دراسات يمنية"، عدد 36، 1989م].

تؤكد مؤلفات الشوكاني، وأفكاره المبثوثة فيها، على سعيه الحثيث والمتواصل للعمل على تقريب وجهات النظر، وإدانة التمذهب، بهدف صيانة وحدة الأمة، والحفاظ عليها من التعصب الذي يقود إلى الفتن، والاقتتال، كما تقدّم كتابات روّاد مدرسة الاجتهاد رؤية لإدارة التعدد المذهبي، والطائفي، داخل الدولة المتعددة المذاهب، من أجل إذابة الفوارق وتخفيف الاحتقانات المؤدية إلى الصراعات، ومن ذلك ما قدّمه شيخ الإسلام الشوكاني لطالب العلم من نصائح تحثّه على الإنصاف، وتحري الموضوعية "فَإِن وطنت نَفسك أَيهَا الطَّالِب على الْإِنْصَاف وَعدم التعصب لمَذْهَب من الْمذَاهب، وَلَا لعالم من الْعلمَاء، بل جعلت النَّاس جَمِيعًا بِمَنْزِلَة وَاحِدَة فِي كَونهم منتمين إِلَى الشَّرِيعَة، مَحْكُومًا عَلَيْهِم بِمَا لَا يَجدوا لأَنْفُسِهِمْ عَنْهَا مخرجا، وَلَا يَسْتَطِيعُونَ تحولا فضلا عَن أَن يرتقوا إِلَى ما هو فوق ذلك من كونه يجب على أحد من الأمة العمل على رأي وَاحِد مِنْهُم، أَو يلْزمه تَقْلِيده وقبوله قَوْله، فقد فزت بأعظم فَوَائِد الْعلم وربحت بأنفس فرائده" [ محمد بن علي الشوكاني، "أدب الطلب ومنتهى الأرب"، ص 69، 70، تحقيق عبدالله السريحي].


كما يؤكد الشوكاني أيضاً أن تكفير الطوائف الإسلامية بعضها بعضا يأتي من باب العصبية "وأما ما تجدد من الدعاوى الفاسدة والشبه الداحضة من تكفير بعض طوائف الإسلام لبعض فذلك لا يرجع إلى دليل من عقل ولا نقل، بل مجرد شهوة شيطانية أثارتها العصبية الجاهلية، فإياك أن تغتر بشيء منها فإنها حديث خرافة" [ محمد بن علي الشوكاني "السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار"، ج1، ص 278].

إن الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد تعمل على إتاحت الفرصة لكل إنسان لمراجعة القناعات المسبقة، التي تم توارثها، وإمكانية كل فرد أن يصل بدون وصاية من أحد إلى الحقيقة.
فالإمام الشوكاني يرى "أن السبيل إلى المعرفة الحقة هو التحرر من سلطان هالة الأشخاص، عن طريق البحث الدقيق عن دليل كل رأي من آرائهم"، [د. عبدالغني قاسم الشرجي الامام الشوكاني حياته وفكره ص420].

كما يؤكد لطلاب العلم أن تحري الإنصاف هو أحد أركان الإيمان، ويحذّر من انعكاسات التعصب وتأثيره على المجتمع، فيقول: "وَاعْلَم أَنه كَمَا يتسبب عَن التعصب محق بركَة الْعلم وَذَهَاب رونقه وَزَوَال مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الثَّوَاب، كَذَلِك يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الْفِتَن المفضية إِلَى سفك الدِّمَاء وهتك الْحرم وتمزيق الْأَعْرَاض وَاسْتِحْلَال مَا هُوَ فِي عصمَة الشَّرْع مَا لَا يخفى على عَاقل، وَقد لَا يَخْلُو عصر من العصور وَلَا قطر من الأقطار من وُقُوع ذَلِك، لَا سِيمَا إِذا اجْتمع فِي الْمَدِينَة والقرية مذهبان أَو أَكثر، وَقد يَقع من ذَلِك مَا يُفْضِي إِلَى إحراق الديار، وَقتل النِّسَاء وَالصبيان" [محمد بن علي الشوكاني، "أدب الطلب"].

إن الإمام الشوكاني من خلال دعواه، وتأكيده على ضرورة الاجتهاد لكل انسان، والإلحاح عليه، وتسهيل الأمر على الناس، ورفض التقليد كان يهدف إلى كسر احتكار المعرفة، وتحطيم الأفكار الموروثة، والمقولات البالية، وتحريك العقول، وإتاحة الفرصة أمام بزوغ مجتهدين، ومجددين يرفضون الحجر على الأفكار، ويثورون على الموروث، ويزعزعون المقولات المفروضة، التي تروّج لها السلطة الحاكمة، وتعمل على ترسيخها، باعتبارها من المسلَّمات الدينية، خدمة لمصالح فئات داخل المجتمع، وكأن الدين جاء لخدمتها.

مقالات

الثأر السياسي.. وهم الانتصار وجدلية التغالب في اليمن

اليمنيون لن يعبروا «المضيق» على حد وصف كبيرنا، طالما أن حاضر كل جيل من الأجيال المتعاقبة محكوم بفكرة الثأر السياسي التي يتم تناقلها وجدانياً في ذهنية الحكام والمكوّنات والنخب السياسية المتغالبة، مثلها مثل تناقل الجينات الوراثية بين الأبناء والأحفاد، وهكذا دواليك هو تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر مع لغة الثأر السياسي في اليمن.

مقالات

جنرالات عُكفة ومعلمون أبطال!

في اليمن قادة وجنود عسكريون شرفاء، سطروا أسماءهم في جبين الدهر، قاتلوا عن شرفهم العسكري واختاروا أن يكونوا في الجانب الصحيح من التأريخ، "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر"؛

مقالات

رشاد العليمي.. ليس البطل

تحتاج البلاد لبطل من نوع مختلف. "المهاتما غاندي" أو " نيلسون مانديلا" ونماذج مشابه، شخصية استثنائية قادرة على أن ترتفع فوق الوجود السياسي المبعثر وتلمُّه بذراع واحدة. هذا ليس حنينًا للمسيِّح المخلِّص ولا هو مقترح نابع من شعور بالضعف والهوان ولجوء للقوة الباطشة. لكنها لحظة تستدعي ظهور نموذج أعلى، يقول واقعنا، أن وظيفته تكمن هنا والآن.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.