مقالات

مدرسة الإحياء واليقظة الوطنية (1-3)

14/08/2021, 06:17:38
بقلم : محمد صلاح
المصدر : بلقيس - خاص

عرفت اليمن التسامح الفكري والاجتماعي، غير أن التعصب السياسي كان يُفرغ تلك القِيم من مضامينها، ويضرب أُسس بقاء الكيان اليمني واستقراره، بسبب نزعات التسلَّط والهيمنة، واستغلال المذاهب الدِّينية لتحقيق أهداف سياسية، وطموحات سلطوية.

لعبت البيئة الطبيعية في اليمن، بتعددها وتنوعها، دوراً واضحاً في انتشار المذاهب، وتحديد مواقعها على الرقعة اليمنية، فالعوامل الجغرافية لليمن، كما يرى عالم التاريخ المصري سليمان حزين "أعطتها طابعاً خاصاً من الحياة، يختلف عمّا نراه في بقية أرض الجزيرة العربية، بل أضفت عليها شخصية إقليمية متميزة، تمثلت على الخصوص في ميدان الثقافة. وهي الشخصية التي احتفظ بها اليمن حتى بعد أن دخل إليه الإسلام، وبعد أن صار للجزيرة العربية كلها دين واحد، ولغة واحدة، وثقافة موحدة إلى حد كبير" [د.سليمان حزين، "أرض العروبة رؤية في المكان والزمان"، ص361].

فبينما نجد الساحل من خلال ما أتاحته له الجغرافيا، منفتحا على العالم، يلتقي بالكثير من الأجناس الآتية لأغراض التجارة، فيتعرّف على ثقافات وحضارات أمم عديدة، من هندية، وفرعونية، وأفريقية، ويونانية، وصينية، وفارسية، ورومانية، وعثمانية، وبرتغالية وأوروبية، وفي هذا الخضم المتلاطم والوافد إليه، والقادم نحوه بثقافاته، ومعارفه وعاداته، نجد مناطقه في العصور الوسطى بعد أن ازدهرت مدائنه، وغدت مركز إشعاع معرفي، وبُؤرة تلاقح فكري لثقافات متنوّعة، يتخذ الموقف المحافظ من الناحية النظرية، داخل مدارسه العلمية، ممزوجاً بالتسامح، والرافض للتشدد، والغلو، وذلك خشية أن تدفع حركة اتصاله، وتفاعله مع الخارج، وتواصله مع ثقافات الأمم التي تلتقي فوق مدنه، وتتقابل على شواطئه، وموانئه، نحو إفقاده خصوصيته وذاته.

بينما حاول الداخل الجبلي المغلق، والمحصّن بالجبال، وكأنه قلعة عصيّة على الاختراق، أن يعوِّض ما حرمته الجغرافيا من فرص الالتقاء بغيره، من أبناء الثقافات الأخرى، فاتجه نحو الانفتاح من الناحية النّظرية، فكان التدريس داخل هجر العلم، ومدارسه -بحسب زيد الوزير- ينتهج التعليم المفتوح، فلم ينحصر على المذهب الزيدي، بل اشتمل على دراسة بقية المذاهب الأخرى، كالشافعية، والحنفية، ولم تكتفِ بتدريس علم الكلام، وتقصره على مدرسة بعينها كالبهشمية من أصحاب أبي هاشم، أو البصرية المتأثرة بأبي الحسن البصري، أو البلخية، والملاحمية، لذا تجد داخل هذه المدارس من تخرَّج أشعرياً، أو معتزلياً، ومنهم من مال إلى مدرسة الحديث، وكل ذلك يعود إلى محاولة أبناء الجبال تجاوز معوِّقات الاتصال وصعوبتها الطبيعية التي فُرضت عليه.

تضعنا المصادر التاريخية، والبيلوغرافيا حول المؤلفات اليمنية، أمام توهج فكري، وجدل معرفي، وحيوية متجددة، وبالإمكان العودة إلى كتاب المحقق عبدالله الحبشي مصادر الفكر الإسلامي في اليمن، أو كتب التراجم والطبقات للشخصيات اليمنية، أو المدارس وهجر العلم، كما في كتاب علامة اليمن، ومؤرخها، ومحققها القاضي إسماعيل الأكوع، في كتابه الموسوعي "هجر العلم ومعاقله في اليمن"، لكن وأمام ذلك الثراء المعرفي نواجَه ببؤس سياسي، وعقم وضحالة لرجال السلطة، والحكم في إدارة البلد، بحيث لم تتم ترجمة تلك المعارف على أرض الواقع لتحقيق استقرار سياسي، بل على العكس من ذلك، أفرغت السياسة كل قِيم المعرفة من مضامينها التي تخدم المجتمع، بل وسعى الساسة لاستغلال المعرفة لصالح أهدافهم السلطوية، كما عجزت المذاهب في حل تناقضاتها بين العملي والمعرفي.

ورغم ذلك العُقم السياسي، ونزعاتهم السلطوية، لم يتمكن أصحاب القوّة من فرض مذاهبهم على أبناء المناطق الأخرى، حينما كانت تُتاح لهذا المذهب أو ذاك السلطة السياسية على المناطق الأخرى. بل على العكس تميَّزت بعض الدّول بانفتاحها وتسامحها، ومن ذلك -على سبيل المثال- نجد الملكة الحرة السيدة بنت أحمد [توفيت 532ه] وقد حكمت اليمن بأكملها، وهي إسماعيلية المذهب، قد أوصت بجزء من أموالها لإنفاقه على طلبة العلم ممن يدرسون صحيح البخاري ومسلم.

وإلى المطرفية، التي خرجت من عباءة الزيدية، يعود الفضل في نشر المذهب إلى مناطق متفرِّقة من البلاد.  وكان انتصار مطرف بن شهاب في المناظرة التي جرت بينه وبين مفتي صنعاء، وعالمها سليمان النقوي، الدّور المهم لفتح الباب أمام المذهب للتواجد في صنعاء.  ويؤكد أحمد الشامي أن توسّع المذهب خارج صعدة جاء في الأوقات التي لم تكن للزيدية سلطة ولا سيف.  كما لعبت عوامل عديدة كالبيئة وانعكاسها على طبيعة سكان المناطق، في تقبّل هذا المذهب أو ذاك. 

فمناطق السواحل، التي تصبح مدنها نقاط اتصال وتواصل مع الخارج، يصعب عليها أن تتقبل مذهباً يدعو إلى الثورة، والتمرّد، والخروج، كالمذهب الزيدي، فهي تميل إلى التوفيق، ومذهب الشافعي أكثر ما يناسب مزاجها....الخ. ولم تتمكن المذاهب من صياغة ورسم حدود مواقع القوى السياسية بصورة صارمة، لا يتعداها السياسيون في نسج تحالفاتهم، "ففي عهد الدولة الصليحية، ذات المذهب الإسماعيلي الخارج من عباءة التشيع، نجد الأمراء العيانيين من المذهب الزيدي، الذي يتفق مع الإسماعيلية في كونهما من مذاهب الشيعة، يتحالفون مع بني نجاح السُّنة المتواجدين في زبيد والمرتبطين بالخلافة العباسية في بغداد، ضد الصليحيين الشيعة"، [محمد صلاح، "تأملات في طبائع وتحولات التحالفات السياسية للقوى اليمنية"، مقالة على موقع "يمن مونيتور"، 12 مارس، 2016]، ولم يكن ذلك مقصورا على أتباع المذهب الزيدي، فمِثل ذلك فعلت القوى السُّنية، حيث "تحالف النجاحيون السُّنة مع الإمام الزيدي أحمد بن سليمان ضد الرعيني، ومع ذلك فقد فشل هذا التحالف، كما فشل تحالف العيانيين الزيود مع النجاحيين الأحباش ضد الصليحي"، [المصدر السابق].

وفي تاريخ اليمن، ولأسباب سياسية وأهداف سلطوية، كان الابن يخرج من مذهب أبيه إلى مذهب آخر، ومغاير، من أجل الحصول على السلطة، كما فعل حسن بن منصور بن حوشب، بعد موت والده، بحيث خرج على دعوة أبيه، ومذهبه، ودخل مذهب أهل السُّنة لأهواء وأهداف سياسية، وذلك لأن الخليفة العبيدي لم يثبته على السلطة، بل أقام شخصاً آخر، وكان والده منصور هو من أرسى مداميك المذهب الإسماعيلي في اليمن.  وكان والد الملك علي بن محمد الصليحي، مؤسس الدولة الصليحية ذات المذهب الاسماعيلي، قاضياً يتبع مذهب الإمام الشافعي. 

كما خرج بعضهم من مذهب إلى آخر عن قناعة فكرية، فالقاضي جعفر بن عبدالسلام الابناوي، الذي دخل في مناظرات مع علماء السُّنة، من فقهاء جبلة، كان إسماعيلياً، وتحول إلى المذهب الزيدي، وتبنّى أفكار المطرفية أولاً، ثم خرج وتبنّى أفكار المخترعة من الزيدية، وخاض الصراعات والمناظرات ضد المطرفية، وفقهاء السُّنة، نصرة للمذهب الزيدي، بينما ظل والده أحد قضاة الإسماعيلية في صنعاء، بل وخرج إلى العراق لإحضار كتب المعتزلة من أجل الرد على المطرفية، بعد أن عجز عن مناظرتهم باللسان، والحجج المنطقية.

لقد نتج عن تعدد المذاهب في اليمن حصول مناقشات ومناظرات، وتاريخ الفكر اليمني حافل بالرسائل والردود بين أتباع المذاهب، وكان كل طرف يسعى لإقناع الطرف الآخر لتبنّي مذهبه، فمن ذلك ذهاب القاضي جعفر بن عبدالسلام [توفي 573ه] إلى مناطق فقهاء السُّنة، طلباً لمناظرتهم، فالتقى بالفقيه الحنبلي أبي الحسن عبدالله بن علي الهرمي [توفي 570ه]، وتجادلا. يقول الجندي إن الهرمي قطع القاضي، أي أفحمه" وبعد هزيمة القاضي جعفر في المناظرة من قِبل الهرمي "بدأت كتابة الردود والرد على تلك الردود، وأول من ابتدأ بالرد القاضي جعفر، فقد رد على رسالة للإمام يحيى بن أبي الخير العمراني في معتقد الحنابلة، وأسمى  القاضي جعفر رده "الدامغ للباطل في مذهب الحنابل"، ويصل هذا الكتاب إلى يد أبي الخير العمراني فيرد عليه بكتاب آخر اسماه "الانتصار في الرد على القدرية الأشرار"، [أحمد عبدالله عارف، "مقدمة في دراسة الاتجاهات الفكرية والسياسية في اليمن"، ص42]. وتواصلت الرسائل والمناظرات بعد ذلك، وفي نهاية القرن السادس الهجري يتصدّى الفقيه الشافعي عبدالرحمن بن منصور بن أبي القبائل في الرد على "الرسالة اليانعة" للإمام عبدالله بن حمزة، ويسمي رده ذلك "الرسالة الخارقة"، ويرد عليه الإمام عبدالله بكتابه "الشافي". ولئن دار الجدل حينا باللسان، فقد تم الجدل بالسنان، ومن ذلك ما تعرّضت له جماعة المطرفية على يد الإمام عبدالله بن حمزة من إباحة واستباحة ومجازر وتنكيل وتشريد، لم يشهد لها البلد مثيلاً.

لعبت المناظرات والحجج بين العلماء دوراً في التقارب المذهبي في اليمن، مع مرور الأيام والسنوات، بحيث ساعدت على تلاقح الأفكار، وتقاربها، بين أتباع المدرسة الزيدية، والشافعية، ويعد الإمام يحيى بن حمزة مثالاً واضحا على ذلك، فقد عاصر أربعة من ملوك وسلاطين الدولة الرسولية، ذات المذهب الشافعي، وخاض تحت راية الإمامة الكثير من الصراع ضد ملوكها، ومع ذلك لم "نلمس عداءً فكرياً في أي مؤلفات يحيى بن حمزة ضد أهل السُّنة، بل على العكس ربما يعد الإمام المؤيد بالله أول أئمة الزيدية ممن نلمس في كثير من آرائه جنوحاً إلى أهل السُّنة، ذلك الاتجاه الذي ستتضح معالمه لدى ابن الوزير [توفي 840ه] إلى أن يبلغ ذروته لدى الشوكاني"، [د. أحمد محمود صبحي، "الإمام المجتهد يحيى بن حمزة وآراؤه الكلامية"، ص22]. وفي الوقت نفسه، لم تعكس الصراعات في كتابات علماء الشافعية أي عداء مذهبي، أو تحريض تحت دعاوى مذهبية.

مقالات

الثأر السياسي.. وهم الانتصار وجدلية التغالب في اليمن

اليمنيون لن يعبروا «المضيق» على حد وصف كبيرنا، طالما أن حاضر كل جيل من الأجيال المتعاقبة محكوم بفكرة الثأر السياسي التي يتم تناقلها وجدانياً في ذهنية الحكام والمكوّنات والنخب السياسية المتغالبة، مثلها مثل تناقل الجينات الوراثية بين الأبناء والأحفاد، وهكذا دواليك هو تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر مع لغة الثأر السياسي في اليمن.

مقالات

جنرالات عُكفة ومعلمون أبطال!

في اليمن قادة وجنود عسكريون شرفاء، سطروا أسماءهم في جبين الدهر، قاتلوا عن شرفهم العسكري واختاروا أن يكونوا في الجانب الصحيح من التأريخ، "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر"؛

مقالات

رشاد العليمي.. ليس البطل

تحتاج البلاد لبطل من نوع مختلف. "المهاتما غاندي" أو " نيلسون مانديلا" ونماذج مشابه، شخصية استثنائية قادرة على أن ترتفع فوق الوجود السياسي المبعثر وتلمُّه بذراع واحدة. هذا ليس حنينًا للمسيِّح المخلِّص ولا هو مقترح نابع من شعور بالضعف والهوان ولجوء للقوة الباطشة. لكنها لحظة تستدعي ظهور نموذج أعلى، يقول واقعنا، أن وظيفته تكمن هنا والآن.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.