مقالات

معنى أن نتشبث بالحياة؟

02/04/2021, 07:18:32

كثيراً ما يتبادر إلى أذهان المشتغلين بقضايا الأدب والثقافة السؤال المستديم، حول الأثر الذي أحدثه المبدعون اليمنيون في المشهد الثقافي العربي خلال السنوات الأخيرة، من منطلق فرضية رائجة مفادها أن ثنائية 'المركز والأطراف' لم تزل تعمل بذات الكفاءة التي كانت تعمل بها قبل نصف قرن، التي توصِّف اليمن كهامش قصي، وتتسبب في عدم مواكبة الإبداع الأدبي في اليمن للمنتوج المناظر في البلدان العربية، وبسبب ذلك ابتعد عن سياق التلقّي والقراءة والتفاعل العام في المحيط والمجاورات.

لديّ قناعة تامة أن وسائل التواصل وتقانة التوصيل، جعلت من ثنائية المركز والأطراف -بصيغها التقليدية- شيئاً ماضوياً قليل القيمة في حالة التفاعل القائمة الآن.. العديد من الأسماء والاتجاهات الأدبية والثقافية اليوم صارت وازنه داخل المشهد الثقافي العربي ومؤثرة فيه .. روائيون وشعراء ونُقاد وصحافيون ثقافيون مشتتون في صنعاء وعدن والقاهرة وبيروت واسطنبول وأوروبا وأمريكا والهند صاروا فاعلين في الحِراك الثقافي والأدبي برغم مآسي الحرب ومالآتها القاتلة، التي تلف اليمن منذ  أكثر من ستة أعوام.

وأستشهد هنا بحالتين قريبتين تعززان ما ذهبت إليه: الأولى فيهما هي وصول رواية أحمد زين (فاكهة للغربان)، في الأول من مارس الماضي، إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) ضمن  ستة عشر عملاً لكاتِبات وكُتاب عرب، وضمن لجنة التحكيم في دورة الجائزة لهذا العام حضر الروائي المعروف علي المقري كفاحص مقتدر وموثوق.
هذان المبدعان الغزيران (الزين والمقري)  استطاعا أن ينقلا الوجه المختلف للسرد الجديد في اليمن، والمنشغل بقضايا المهمل والمسكوت عنه في القضايا الاجتماعية والتاريخ السياسي والثقافي في البلد، الذي صيّرته الحرب العبثية عنواناً للتهتك والتشظِّي.

رواية "فاكهة للغربان" هي تفحُّصٌ جمالي ومعاينة حادة لحالة مدينة عدن في حقبتها الاشتراكية، قبل فترة وجيزة من الانفجار الكبير، في الثالث عشر من يناير 1986؛ والكاتب بهذه المعاينة، شديدة الوضوح بتمثيلاتها وإسقاطاتها وتخيلاتها التي شقت معبراً صعباً بين التاريخي بتعيناته الزمنية والتخييل السردي بجموحه الأدبي، ينجز مساراً جديداً لقراءة حال المدينة، بعد قراءة أولى عشية استقلالها في نص سردي عنونه بـ"ستيمر بوينت"، أصدره في العام 2014، وربما يمتد مشروعه السردي إلى معاينة ثالثة لحال المدينة بعيد الوحدة مثلاً.

هذا الكاتب المولود والمقيم في العربية السعودية، أصدر -خلال مسيرته في الكتابة- خمسة أعمال روائية (تصحيح وضع، وقهوة أمريكية، وحرب تحت الجلد، وستيمر بوينت، وفاكهة للغربان) إلى جانب مجموعة قصصية (أسلاك تصطخب)، وكل هذه الأعمال انشغلت بالموضوع اليمني كجغرافيا وإنسان وموضوع، ابتدأت بمقاربة قضايا التنكيل بالمغتربين اليمنيين  بعد أزمة الخليج وحربها الثانية في صيف 1990 في "تصحيح وضع"، وانتهت  بتفكيك الأيديولوجيا التي نكّلت بالإنسان  في المدينة المسالمة في "فاكهة للغربان".  أما علي المقري الذي أصدر هو الآخر خمسة أعمال ابتدأت بـ"رائحة سوداء طعم أسود"، وانتهت بـ"بلاد القائد" وما بينهما "اليهودي الحالي، وحُرمة، وبخور عدني"، فقدم اليمن من خلال موضوعات إشكالية تتصل بالتمييز العِرقي واللون والديانة والكبْت بحرفة عالية.

ومثله مثل أحمد زين، كان لعدن المدينة  حضورها في تجربته السردية الغنية من خلال عمله القوي "بخور عدني"، التي صارت بمثابة لوحة بانورامية لتخييل روائي جامح اشتغل على التعدد والتنوع في المدينة 'الكسوموبولتية'، ابتداء من أربعينيات القرن العشرين.
الحالة الثانية تتمثل في خبر فوز المجموعة الشعرية المعنونة بـ"حِيَل" للشاعرة الشابة ميسون الإرياني بجائزة "توليولا" الإيطالية، في العاشر من مارس الماضي.
بغضّ النظر عن أهمية الجائزة وقيمتها المعنوية مثلاً، ولكونها تُعطى لكاتبة شابة،  لكنها في نهاية المطاف تعيد بعضاً من الاعتبار للكتابة الجديدة في البلد الذي تلفه غمامة الحرب الصفراء، وتجعل من مزاولة الكتابة ترفاً غير مستحب في وعي نخبة الحرب التي تتحكم بمصائر قرابة ثلاثين مليوناً من البشر.

أعرف الشاعرة ميسون من سنوات خلت، وتحديداً منذ ظهورها في أواخر العشرية الماضية، ومن متابعتي لما تنشر من نصوص هنا وهناك، وقبل أن تصدر مجموعتها الأولى (سأثقب بالعاشقين السماء)، والثانية "الموارب من الجنة"، كانت تولي المثابرة اهتماماً خاصاً، وساعدها في ذلك انصرافاتها ودأبها في دراسة الأدب الانجليزي والترجمة. وهي في نصوصها الشعرية تتخذ من أسلوبية الكتابة الجديدة (قصيدة النثر) أداة لتوصيل صوتها المختلف ضمن حضور كثيف لشعراء محسوبين على موجة الألفيين من المبدعين الشبان.

وغير موضوع الجوائز، هناك نشاط موازٍ يتصل بحالة النشر والإصدار في الخارج والداخل، في وقت كان فيه من الطبيعي أن يفسح الكتاب الورقي مكاناً مهما للكتاب الألكتروني الذي يسهل وصوله إلى القارئ بدون مشاق، غير أن وسيلة النشر التقليدي (الإصدارات الورقية) تعيد الاعتبار لعملية صناعة الكتاب التي تعرضت، مثلها مثل غيرها من الأنشطة الثقافية للتجريف في سنوات الحرب ، وإن وجود داري نشرٍ، على الأقل،  في القاهرة تهتم بصناعة وتسويق الكتاب اليمني يمنح المشتغلين في حقول الكتابة جرعة قوية للتفاؤل، مثلها مثل انتشار جهات نشر بسيطة في محيط جامعة صنعاء، تتيح لعشرات المبدعين المقيمين في الداخل إصدار كتبهم في نسخ محدودة، يسهل تداولها على نطاق ضيّق في دائرة الأصدقاء والمعاريف.

التأليف والنشر وسيلة مهمّة من وسائل المقاومة التي ينبغي تعزيزها؛ وإن قائمة الإصدارات التي مرَّت عليَّ -بما فيها بعض العناوين التي وصلتني عن مشاريع الإصدار هذه- تقوّي عندي هذه القناعة، فأخبار الموت والفقد والانسداد السياسي، واستطالة الحرب، التي تحوّلت إلى مهنة تكسب عند أطرافها وواجهاتها، تحجب مثل هذه الأعمال الحقيقية التي تنتصر للحياة،
ولهذا ينبغي علينا التفتيش عن أي مبادرة بهذا الشكل، مثل حجر كريم ونادر لنقول للحياة إننا متشبثون بها حتى آخر قطرة.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.