مقالات

26 سبتمبر: الثورة حين تغدو عقيدة..

24/09/2022, 15:23:52

ها هي الثورة تغدو أسطورة، سفر وجودي كامل، لقد صارت سبتمبر ظلالاً ومعنى، يفيض ويغمر الحياة بكاملها.

 لكأنّ حلم "الفسيّل" بتحوّل الثورة إلى عقيدة يتحقق اليوم، وتكتمل عناصر رسوخها. لم تعد حدثا ماضيا؛ بل تأريخ شخصي وحيّ، تتنفسه الأجيال ويرتبط بعالمها الداخلي، يصوغ وجدانها، ويتحكم بانفعالاتها؛ لكأن دبابة الثورة وهي تقصف دار البشائر هي تفعل ذلك الآن، وتبث الحماسة ملء الفضاء العام. 

سيقول قائل: لدينا عقيدة ولديهم عقيدة. حسنا؛ لكن عقديتنا أكثر سحرا وصفاءً من عقائدهم.  وبحدسها الفطري تفرِّق الشعوب بين العقائد الوطنية القابلة للتعميم، والعقائد الباعثة للنفور. 

يمكنكم أن تراقبوا الناس وتلتقطون الفارق.  يشعر اليمني العادي بالخجل من الاحتفاء ب"عيد الغدير"، لكنه لا يتردد أن يردد شعارات 26 سبتمبر، وأناشيدها الخالدة. حتى أكثر الناس بُعدا عن السياسة، ما إن يلمح ذكرى الثورة يجد ذاته متماهيا معها دونما تخطيط واع منه. هذا هو الفرق بيننا وبينهم. 

نحن الذين كفرنا بكل شيء، يا حوثي، ما نزال نؤمن بسبتمبر، شبان عدميون ووقحون، فقدوا يقينهم بالأشياء والكلمات، اهتزت كل ثوابتهم، ويشعرون أن العالم بكله فاقد للقيمة والمعنى، ومع ذلك ما يزالون يشعرون بالهيبة والجلال حين تحضر "ثورة سبتمبر".

ملايين الجوعى - والجوع كفر يا معشر اللصوص وجماعات الدجل والشعوذة - هؤلاء الجوعى من يشعرون بتهديد دائم يخيّم فوق حياتهم، ويعيشون قلقا مفتوحا، احساسا ملازما بالمستقبل المجهول، هؤلاء الذين يحق لهم أن يكفروا بكل شيء، بما في ذلك فقدان أي إحساس بقيمتهم الذاتية، ومع كل ذلك لا تزال 26 سبتمبر أشبه بقيمة عُليا لا يمسّها سخطهم ولا تبهت في ذاكرتهم المرهقة. 

هل هذا شيء بلا قيمة، هل هذه رومانسية أو عاطفة ساذجة؟! العكس تماما هو الصحيح، هذه المهابة المحيطة بسبتمبر هي جوهر الوجود اليمني، أساس القيمة والمعنى، هذا الوجدان العام هو مصدر الشرعية وجوهر التشريع، المرجعية الوحيدة لتحديد المصير والمستقبل، وما دام أنصار 26 سبتمبر محتفظين به كقيمة عُليا غير قابلة للفناء، فلا يوجد قوة في الكون يمكنها طمس هذا المتعالي الراسخ في أعماقهم للأبد. 

تحتفلون بذكرى انقلابكم (21 سبتمر)، تجتهدون لإحلال تاريخ بديل وباهت مكان العيد الوطني العام، هذا شيء بديهي لا يتضمن أي إشارة أو دلالة لقيمة صلبة. 

ومهما اجتهدتم لمنحها تعبيرية ملفقة، لا يعترف بها أحد لكم وستظل ذكرى منبوذة للأبد. أقلية تسللت في غفلة تاريخية قاتلة، وتريد تذويب اليمن الكبير، هذه المغالطة -على خطورتها- هي فاقدة لأي قوة ذاتية تمكِّنها من إزاحة العمق الوجودي والتاريخي لثورة 26 سبتمبر.

تحتفلون بمكاسبكم، ويحتفل اليمني بقيمة مطلقة، بحدث صنع تحولا شاملا في حياة الشعب، دونما مطمح لأحد بشيء. 

وأخطر صنف من الثوريين هم أولئك الذين ليس لهم أي أطماع شخصية من وراء نضالهم، هؤلاء هم من يصنعون التحولات الكبرى في المجتمعات، ويدفعون بالفكرة الثورية لأقصى درجات التحقق، أولئك الذين يتحرّكون بدافع الفكرة النبيلة فحسب، إنهم يتمتعون بنزاهة داخلية قوية وراحة ضمير عالية، لا يمكن شراءهم وغير قابلين للتدجين أو الاحتواء، وهؤلاء الأخيرون هم أنصار 26 سبتمبر. 

في البدء، كانت سبتمبر ثورة كأي ثورات التاريخ الكبرى في حياة الشعوب، كانت درسا في التاريخ عظيم؛ لكنه مجمّد في كتب المدرسة. ثم، ها هي الثورة تخرج من المناهج وتغدو فعلا حاضرا وفكرة حيّة، تتلاشى الحدود بين الحاضر والماضي، وتتدفق الفكرة في الفضاء الحر، تنتشر بين الأجيال، تغذّي انفعالاتهم، ويغدو كل شبل بطل جاهز لصناعة خلاص جديد. 

يقف الحوثي على أرضية خاملة، يستدعي تواريخ غاصت في رمال التاريخ، يحشد لها كل أدواته؛ كي يعيد إحياءها، يستنفد كل طاقته؛ ليسند وجوده الخاوي من أي قيمة، وتكون النتيجة ضئيلة. عيد الغدير، كربلاء، ذكرى مقتل الحسين، زيد بن علي، ثم المولد النبوي، وبصرف النظر عن الموقف العقدي من هذه الأحداث؛ غير أنها لا تتضمن أي قدرة تحشيدية مستديمة أو متصلة بشكل واقعي، بحيث تدوم كمحركات فعّالة للجماهير.  كل ما يتحقق منها هو بهرجة موسمية تزول بزوال الحدث المستدعى قسراً. 

بالمقابل، ما إن تحل ذكرى 26 سبتمبر، تتداعى الجماهير بعفوية، ويستعيد الحدث زخمه؛ لكأنّ محمد الفسيل يقرأ بيان سقوط الملكية وإعلان قيام الجمهورية في هذه اللحظة.

 يصدح صوت أيوب: "هدّم الشعب السجونا ووكور المجرمينا"، ويضخ شحنة كبرياء ملء النفوس الغاضبة والعاطشة للحرية. 

هذا الفارق المعنوي في المنطلقات الأساسية وطبيعتها لدى الفريقين، هو ما يكشف صلاحية المنهجين، وأي منهما يتمتع بذخيزة باطنية وقوة مشروعية قادرة على الديمومة بذاتها، ودونما فرض تعسفي على الجماهير. 

كم شخصا يتّخذ من عيد الغدير مصدر استلهام لفكرة أو يصطحبه كحدث يتضمّن قيمة معنوية وفكرة حيّة صالحة لربطها بحياته الواقعية أو الاستناد إليها لتحديد موقف، مقابل ملايين يحفظون اسم الزبيري وأشعاره وتسري القشعريرة حين يستمعون للنشيد الوطني. 

هذه الأشارات العابرة تمنحك قدرة حاسمة لتبيان الفرق بيننا وبينهم. 

مرة أخرى، قد يكون من الطبيعي أن تتباهى الشعوب بأعيادها الوطنية في الظروف العادية، وبمهرجانات رسمية تديرها الدولة؛ كروتين طبيعي لتعزيز الهوية الوطنية وتعميمها وتحويلها لطقس دائم يرسّخ إحساس الجماهير بالانتماء لبلدهم، ويحفّز شعورهم بالتمايز مع الآخر، ذلك أننا ندرك ذواتنا عبر طقوس التمايز هذه. 

إلا أن الفعل الأكثر بعثا للكبرياء والأكثر استحقاقا للتوقف معه كحدث يتخذ طابع المجد والبطولة، هو أن تجد شعبا ممزقا، فقد كل روابطه بالحياة، لكنه يقاتل كي يدافع عن آخر قيمة تأسيسية يستند إليها لحماية مصيره من التلاشي والضياع. 

هذا هو الشعب اليمني، يصح فيه قول الشاعر: سلامي عليك؛ إذ ينهار العالم وأنت تفتِّش عن قصيدة. 

والدلالة هنا تنطبق على احتفاء اليمنيين بذكرى سبتمبر. سلامي عليك أيها اليمني، إذ تحتفل بقصيدتك الخالدة وأنت جائع ومحبط، حزين وجريح؛ لكنك تحتفل. 

هكذا تحرس الشعوب مصيرها: "لا تحول ثورتك لمناحة وعزاء؛ بل إعطِ جرحك وهج فارس، وواصل الحلم والفعل والغناء".

الخلاصة: 

تلوذ الشعوب بتاريخها، تعود إلى نقطة ارتكازها الأكثر صلابة ورمزية، وتقاتل بها الأشباح.

ذكرى 26 سبتمبر، هذه أعظم محاولة شعبية وعبقرية؛ تمكّن فيها الشعب من تنشيط الفكرة والتجربة، وإعادة بثها ملء الأجواء والنفوس الحائرة.

أكثر تجليات الرومانسية الثورية فاعلية في صياغة الواقع ومدافعة ارداداته البدائية (الإمامة ومخلفاتها).  

بماذا ندافعهم..؟ ما نقطة تفوقّنا الأخلاقي والسياسي عنهم؟ الجمهورية. 

وبحسب المفكّر السوري ياسين الحاج صالح: "الجمهورية هي الفكرة الوحيدة التي توفّر مشروعية نضالية متفوّقة أخلاقيا على خصومها، كما تمنح القوى المدنية التحرّرية والمشتّتة في البلاد اليوم أرضية مشتركة لاستعادة زمام المبادرة، وتوحيد صفوفهم في مواجهة النقيض التاريخي للجمهورية، متمثلا في المشروع الإمامي.

فمبدأ الجمهورية يكتنز على طاقة تحرّرية ملهمة هي الأقرب إلى المحرّكات القيمية والمؤسّسة للثورة اليمنية الأولى سبتمبر، وهي ما يمكن أن تسهم في تشكّل روح ثورية جديدة، على مستوى النضال ضد المشروع الإمامي، وعلى مستوى التنظيم والعمل السياسي كذلك.

 هذا المبدأ بما ينطوي عليه من قيمة تأسيسية أقرب إلى المحرك التاريخي الأبرز والأكثر قدرة على منح الشعوب هوية صلبة وصالحة لتنظيم وجوده السياسي بشكل جيّد، وتلك فضيلة سبتمبر.

مقالات

إسرائيل ولبنان.. حرب أو لا حرب؟!

أولاً: احتمالات الحرب حاليًا قائمة، ليس مع لبنان وحدها، وإنما مع دول الجوار: مصر، والأردن، وسوريا، ولبنان منذ احتلال فلسطين، وقيام الكيان الصهيوني في 1948، وهي الآن قائمة بصورة مباشرة مع الأمة العربية كلها، رغم تهافت الدول المطبعة وذِلتها.

مقالات

طفولة أعياد القرية!

ذكرياتنا الندية عن أعياد الطفولة شجن لا ينتهي. الحنين للمّة العائلة الكبيرة، الأحضان الدافئة للأب والأم والجدات، مرح أرواح الأطفال وهي ترسم العِيد ببهجة جذلى للقلوب الغضة، أصوات الألعاب النارية وهي تقرع جرس إيذان العِيد بالمرح الشقي، عناق الأهل وزيارة الأرحام والأقارب، سلام الجيران وتهانيهم العِيدية "المقدسة"، وعلي الآنسي.

مقالات

حكاية الزَّمَار سعيد الفاتش (2-2)

لشدّة ما كان الفقيه مقتنعاً بنجاح خطته وصوابها من الناحية الشرعية، هجم على الفاتش لينتزع منه مِزمَارَه، ولِيزيلَ المنكر بيدِه عملا بالحديث الشريف؛ لكن الزمَّار سعيد الفاتش -رغم مرضه- كان مازال قوياً، وكانت يداه مازالتا قادرتين على الضرب والبطش، ثم إنه كان منتبهاً ومتوقّعاً وجاهزاً للرد، وبمجرد أن اندفع الفقيه لينتزع المِزْمَار منه سَلّ مِزْمَارَه المعمول من خشب صلب، وضرب به الفقيه ضربةً في يده، التي امتدت لأخذ مِزمَارِه، لكن تلك الضربة لم تشفَ غليله من الفقيه، الذي ألحق به الكثير من الأذى. ولشدة ما كان موتوراً منه، ضربه ضربةً قويةً في رأسه جعلت الدَّم ينبجس غزيراً، ولحظتها صَرخ الفقيه صرخةً أفزعت وكيل الشريعة حمود السلتوم، والحاج علوان، حتى أنهما بدلا من أن يهجما على الزَمَّار -بحسب الخطة - لاذا بالفرار.

مقالات

حكاية الزَّمار سعيد الفاتش (1-2)

كان سعيد الفاتش زمَّاراً ومغنياً وقارع طبل، وراقصاً موهوباً، وحكاءً وإنساناً جميلاً، وكان مدرسةً في الحب يحب الناس ويحب الحياة ويعيشها بشغف، ويجعل كل يوم من أيامه عيداً ومهرجان فرح

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.