مقالات

الأندية في مدينة عدن ودورها الثقافي والسياسي في مجابهة الاستبداد والاستعمار (1- 3)

10/07/2021, 07:58:30
بقلم : محمد صلاح

هيّأت الأندية والجمعيات الثقافية في مدينة عدن، التي بدأ تأسيسها عام 1925م، وهو تاريخ افتتاح أول نادٍ في المدينة، تحت اسم "نادي الأدب العربي"، لحراك ثقافي، ونشاط أدبي، وساهمت في تطوير التعليم، من خلال إرسال البعثات الطلابية إلى الأقطار العربية، والسعي لمواجهة حالة التخلّف الذي تعيشه المدينة، والاستلاب الثقافي الذي تعانيه، والتصدّي لسياسات الاستعمار الساعية لطمس هُويتها، وسهّلت -في الوقت ذاته- ولادة الجماعات والأحزاب السياسية في العقود التالية. 

وقد التقط الروَّاد الأوائل في مدينة عدن فكرة إنشاء الأندية الثقافية، من خلال النصائح التي قدّمها الزعيم التونسي، الشيخ عبدالعزيز الثعالبي، أحد روّاد النهضة العربية، وذلك عند قدومه إلى المدينة عام 1924م، وزار فيها عدداً من المناطق اليمنية، والتقى بالمثقّفين والأُدباء والسلاطين والأُمراء في عدن ولحج، كما التقى بالمسؤولين، والإمام يحيى في صنعاء. 

وإذا كان الهدف الظاهر والمُعلن من قِيام الأندية هو النهوض بالعملية التعليمية، وايجاد حراك ثقافي وأدبي، ومحاربة الظواهر الاجتماعية السلبية داخل المجتمع، إلا أن آثار الأنشطة، التي قامت بها تلك النوادي، امتد ليشمل آفاقا أوسع، بحيث ساهمت في مناهضة المستعمر الخارجي، والمستبد المحلي، حيث سعت الطلائع المستنيرة في عدن، من خلال الفعاليات الثقافية، للتعبير عن مواقف سياسية تحت ستار الأدب، وذلك بسبب القوانين الاستعمارية التي تمنع قيام أي فعاليات سياسية، ولم يكن أمامها حينئذ سوى التخفّي تحت مظلّة الثقافة.

ومن خلال الأنشطة الثقافية، داخل تلك النوادي، تشكّلت البدايات الأولى للعمل السياسي في اليمن، بحيث كان "ظهور هذه النوادي محاولات أولى لولادة جماعات سياسية وفكرية وطنية، أخذت لنفسها طابعاً ثقافياً، ولم يسمح الوضع الاستعماري في المدينة بتحوّلها إلى جماعات سياسية وجمعيات وأحزاب" [هشام علي، "المثقفون اليمنيون والنهضة"- ص118]. 

ولم يتوقّف الدّور الإيجابي لتلك الأندية على المدينة وحدها، بل تجاوزها إلى المناطق التي كانت خاضعة لحكم الإمام يحيى، وكذلك المحميّات الواقعة تحت حكم السلاطين، والأُمراء، والمشايخ. 

تأثر الأستاذ النّعمان في 'لواء تعز'، منتصف الثلاثينات، بقيام الأندية في مدينة عدن، وبالأخص 'نادي الإصلاح العربي الإسلامي' في 'الشيخ عثمان'، الذي كان يرأسه الأستاذ أحمد محمد سعيد الأصنج، وكان النّعمان معجباً به، وبكتابه "نصيب عدن من الحركة الفكرية الحديثة". 

وقد قام كلٌ من محمد علي لقمان، مدير نادي الأدب العربي، ومؤسس 'نادي الإصلاح العربي' في 'كريتر'، الذي تأسس عام 1930، والأصنج بالتعاون مع النّعمان الذي كان قد أنشأ مدرسة في 'ذُبحان'، لمساعدته في إنشاء نادٍ ثقافي في منطقته، فقام لقمان بإرسال صِيغة وأدبيات برنامج النادي، الذي يُشرف عليه، إلى النّعمان، وسعى الأصنج إلى إرسال المناهج الحديثة إلى المدرسة، إضافة إلى تهريب الكُتب والمطبوعات الجديدة لكتّاب النهضة.

وتؤكد وثائق الأستاذ النّعمان ومراسلاته أن لقمان، في إحدى رسائله، قد ضمّنها "ببرنامج نادي الإصلاح العربي إلى جانب بعض الصحف العربية. إذ تم تأسيس النادي في فبراير 1935م، كما تم عبر الأصنج ولقمان استيراد وتسريب الكُتب الفكرية والصُّحف إلى المدرسة ومدن الشمال" ["تأسيس البعثات الطلابية اليمنية في مصر في ثلاثينات القرن العشرين"، صادق محمد الصفواني].

فأنشأ الأستاذ النّعمان في 'التُّربة'، عام 1935، بتأثير من أندية الإصلاح في عدن، نادياً باسم "نادي الإصلاح الأدبي"، لكن سلطة الإمام لم تسمح للنادي، وللمدرسة التي أسسهما بالاستمرار، فتم إغلاق النادي عام 1936. 

وإذا لم تكن الأندية الثقافية - لأسباب تعود إلى طبيعة الأوضاع، والقوانين التي فرضها المستعمر، التي تحرِّم قِيام الأحزاب السياسية داخل مدينة عدن، وبقية المحميات- تُعلن في برامجها عن أهدافها السياسية بصورة واضحة، وكانت تكتفي بالأهداف الثقافية، والاجتماعية، إلا أنها كانت تجعل من برامجها تلك غطاءً لممارسة العمل السياسي، بل إن المؤسسين الأوائل للأندية كانوا يرون في إنشائها نَواة لتأسيس الأحزاب، وحاملة لمشاريع سياسية.

فالأستاذ محمد علي لقمان يقول -في صحيفة "فتاة الجزيرة"، التي كان يصدرها- حول تأسيس نادي "الشعب اللحجي" عام 1947م: "ولعلّ قٍيام الأحزاب من أروع معالم الدِّيمقراطية السياسية، ويتهامس الناس عن قُرب قيام نادٍ يحمل اسم نادي 'الشعب اللحجي'، وتدور اتصالات واسعة النّطاق بين بعض البارزين في لحج لتأسيس هذا النادي، والشائع أن هذا النادي هو في الأساس نواة لحزب كبير سوف يحمل اسم الشعب اللحجي".

وإذا لم يكن النادي قد تحوّل إلى حزب، إلا أنه سعى نحو تحقيق أهداف سياسية في المقام الأول، كان من أهمها، وأولها مطالبة أعضاء النادي سلطان لحج بإيجاد دستور يضمن حقوق المواطنين، ويضبط العلاقة بين الحاكم والشعب.

المصدر : خاص
تقارير

فشل مساعي الحل السياسي.. كيف تعقدت الأزمة اليمنية؟

تزداد الأزمة اليمنية تعقيدا يوما بعد يوم، لدرجة يبدو معها استحالة الحل السياسي، حيث فشلت كل الجهود المبذولة لحل الأزمة سياسيا ووقف إطلاق النار، وآخرها المساعي الأمريكية والأممية والعُمانية المكثفة، خلال الأسابيع القليلة الماضية، والتي عجزت عن تحقيق مجرد اختراق في جدار الأزمة يمكن التسلل من خلاله لإحداث ولو نوع من التقارب والمرونة التي يمكن البناء عليها لتحقيق السلام.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.