مقالات

قصة أميرة "قصائد البردوني" مهرجان الشذى!!

09/02/2023, 16:49:45

كان البردوني، في عقد التسعينات، أغزر ما يكون تأليفاً ونشاطاً وكتابة وإصداراً للكتب، وكان غزيراً قبل ذلك -بلا شك- في الناحية الشعرية؛ بدليل عدد دواوينه وجودتها وتتبعها لجديد الحداثة والأحدث، لكن هذا الوقت كان النشاط الثقافي أكثر ما يميزه هو أن البردوني كان يكتب في كثير من الصحف، وخاصة بعد التعددية السياسية التي قامت مع الوحدة اليمنية، التي أدت إلى نشوء غزير للصحف من كل الاتجاهات، فتميَّزت تلك الفترة بفتح أبواب النشر بشكل واسع، وبحريَّة كبيرة، وكانت الفرصة للكتابة في شتى المجالات السياسية، وكانت الثقافة هي المنشِّط الأكبر بعد سنوات من الحكم الشمولي الطويل، الذي كان لايسمح بشيء إلا تحت عينيه، وبصر مخبريه، فصار لكل صحيفة صفحات ثقافية، فتحت أحضانها لكل الأجيال الأدبية لممارسة غوايتها في الشعر والنثر والنقد والفكر.

كان البردوني يصول ويجول في كل الصحف، وكانت حواراته أغزر وأصدق وأعبق ما يكون، ولذلك تمددت كتاباته هنا وهناك وهنالك، وصعب جمعها لاحقاً، مما أتاح الفرصة لظهور كتابات كثيرة له غير تلك التي تم التذكير بها، وهي كثيرة.

ومما لا شك فيه أن تلك الكتابات، التي كانت على شكل مقالات متنوعة الموضوعات، استهوت الكثيرين، وخاصة ممن وجد ضالته فيها بحكم تأثير الفكر البردوني كسياسي ومفكر، ولذلك كل من فكَّر بوضع كتاب، وجمع تلك الأشتات الكثيرة، يقوم باختيار عنوانا يتناسب مع فكره وتوجهه، وبما يخدم أغراضه وأهواءه، وهو ما سنتطرق إليه في الموضوع القادم حول تعدد مذكرات البردوني، ولذلك ظهرت انقسامات كثيرة حول ما كتب البردوني، وما ترك من إرث ثقافي عظيم سيمتد الصراع حوله لعدة أجيال قادمة. وليس هذا موضوعنا اليوم.

أما بالنسبة لتضارب مذكرات البردوني وسيرته الذاتية، فقد تتبعت ولادتها يوماً بيوم، وسأفرد لها عنوانا خاصا نوضِّح فيه أسباب تعددها واختلافها بين تلك التي صدرت، وتم حجبها في صنعاء، عندما قام مدرس جامعي بطباعتها، والتقديم لها، ثم قامت وزارة الثقافة في صنعاء بحجز نسخها في مخازن الوزارة، وتلك التي صدرت في القاهرة عن دار "عناوين" للأكاديمي نفسه عن دار "عناوين" 697 صفحة، ونسخة تركيا  المسماة "تبرج الخفايا"، التي ظهرت بإضافات كثيرة وأكبر حجماً وأكثر شموليةً من نسخة القاهرة؛ حيث تم تسريب نسخ "pdf" تحتوي على 1150 صفحة.

وهناك نسخة ما زالت بيديَّ -أتحفظ على ذكر من يمتلكها مؤقتاً- تحتوي على توسع أكبر وأدق للمذكرات، هذا وكنت متابعاً مجتهداً للمذكرات من بداية كتابتها حتى وفاته، وقد حدث لي الشرف أن أجريتُ حوارا طويلاً مع البردوني قبل وفاته بسنة لصحيفة "الثقافية"، نُشر ضمن الملف الذي أعددته للصحيفة..

وموضوعنا اليوم هو هذي القصيدة، ولماذا استبعدها البردوني من كل دواوينه على حرارة تجربتها الشعورية، وقوة ناريتها العاطفية، ولغتها التي تحرق قارئها روحياً، إلى درجة أن الرجل الذي قيلت القصيدة في زوجته عرض على من قيلت القصيدة فيها أن يطلقها لكي تتزوج البردوني، ويهديهما البيت المفروش.

"قصيدة أفراح العبير، أو مهرجان الشذى"، التي لم ينشرها في أي من دوواينه، وكان يبكي دوماً كطفل وهو يقرأها.....!!

زغـردي يا ربةَ العشق الأزالي / الثريا دخلتْ برج الهلال /أعرس البستان هذا للتي/لاحمرار الورد عشقُ برتقالي
/منْ مجيبي يا عصافير الضحى /كيف تشتاق البساتين الحوالي/
كيف تستدني المواني مامضى/ يالأمس من تواريه ويالي /كنت أخشى الصدّ واليوم النوى /يا هوى خذني إلى صادي ودالي../
هل أغني يا زغاريد الشذى/ وأنا أحرى بمن يرثي لحالي../ أجمع النار على قدر المنـى/ وأنا وحدي بها  أول صال /يا صديقي الشعر هذي ليلةٌ أفردتَها الشهبُ عن سِربْ الليالي /كحَّل المرِّيخ’ عينيها كسا / غصنها العيوق ثوباً كرنبالي /نمنمتها نجمة القطب كما /عوذتها منْ رؤى واشٍ وقالي/ الأمير الحسن الآن أبتداْ /مولداً أصبى الى أعلى الأعالي /أنجم المسرى حواليه كما / رقصتْ أثداءها أجنى الدوال/ من تجلي الشمس بالبدر التقتْ /ليلةٌ في أعصر الدهر الخوالي/
كيف يا قيتارتي أروي اللقا / والعياني فوق تحديق خيالي/ كيف أبكي وأهنى ضاحكاً /علميني يا أساطير الجمال /ياللواتي كنتُ أهوى أين مَنْ / أشعلتني واحتستْ نصفَ اشتعالي /
إنها كلُّ بلادي وحدها / فهي منِّي وهي لي كلُّ الأهـالي /طفلتي أمي وبنتا والدي /وأنا فمُها خِلِّي وخَالي

"لهذا كانت قصيدة مهرجان العبير أكثر أبياتها أو أخطرها بالقياس إلى ملوكيتها في دار الملك فتحملت أكثر مما تحتمل من التفاسير إلى التأويل، وقد أسفرت لي المؤامرة عن وجهها من عشية إنشاد القصيدة، فطلب الأمير الحسن بن علي انتزاع القصيدة من أيدي المنشدين إبَّان الإنصات إليها، فمنع كلَّ نشَّاد أن يعطي النسخة التي في يده، فارتأى السيف عبد الله ألا يثيروا هذا الأمر، ورأى السيف القاسم أن يأخذوها من المنشدين قبل خروجهم من السمر حتى لا تشيع القصيدة، ونتيجة التحري زاد شيوع القصيدة، وفي وقت السمر أنتسخها بعضهم من البعض، فما طلع عليها الصباح إلا وقد أصبحت غابة من الأوراق، واستظهر البعض القصيدة أو بعض أبياتها، وما شم فيها أحد رائحة السياسة.

وكان أعظم رجال الموقف السيف علي، الذي حاول أن يحجب عني كل الهمسات، وقد لاحظ الأخ محمد عبد الله الشامي أن جاري في مجلس "القات" لا يسقيني إذا أستسقيته، وأكثر ما كشف لي نقاوة الشامي هو انفلاته من هالة الأمير واصطحابي إلى مائدة العشاء، ثم إلى بيته في حارة الصياد، ولهذا أطمأن السيف علي إلى رفاقية الشامي، إلا أنه لاحظ أني لم أحضر مأدبة الغداء اليوم الثاني، فطلب الأمير الحسن من الشامي أن يبحث عني، ويوصلني إلى دار العرس، ولما سمع السيف علي ذلك التهامس أومأ إلى ابنه وابن الشامي أن يقفا وسوف يقوم بهمة إيصالي ماسحاً ما علق بنفسي من المخاوف، أو من الحرج، فلم يجدني مكترثاً؛ فأعاد في الغداء طريقة العشاء، إذ انتبذني إلى غرفة قصيَّة في الدور الثالث؛ لكي يتغدى الشاعران معاً على التناشد الشعري والنفحات النواسية.
وعندما انطلقت شهية الحديث، قال: بيني وبينك مشكلة، من سوف يحلها؟ فقلت: أنت (خرِّيت) ـ حلال ـ المعضلات كلها.

قال لقبني الإمام يحيى شاعر اليمن، واليوم أصبحتَ من كبار شعراء العرب كلهم، ألا تدري أن الناس يرددون قصيدتك في رثاء الملك عبد العزيز، وقد أجمع شعراء العرب على أنها أميرة القصائد، وعندما يموت الحسن ابني فسوف تخلط تهنئتي بمرثيته.
تصور أنه لا يفارق تلك الورقة التي تأبطت قصيدتك ....، وقبل أن أصل إليك أراني الحسن هذا المقطع من قصيدتك:

"يا صديقي الشعر هذي ليلةٌ أفردتَها الشُّهبُ عن سِربْ الليالي /كحَّل المرِّيخ عينيها كسا / غُصنها العيوق ثوباً كرنبالي /نمنمتها نجمة القطب كما /عوذتها منْ رؤى واشٍ وقالي".

قال ابني الحسن هذي صورة حرمي المصونة، لم يغادر من حركاتها وخطراتها وصيغتها شيئاً، حتى الكحل، فإن في عينيها تكحيلة نجم، أما العيوق فهو لقب جدها لأبيها، ولعله كان يمثل عائقاً بينها وبينه.
فقلتُ له عندي تفسير المسألتين، الأول أن العياني كحيل العينين من أصل الخلقة، أما العيوق فهو اسم نجم يلمع في أول السحر، وهو محمر اللون لأنه شفق آخر الليل. فقال الحسن: عرفت أن أحسن طريقة معرفة المفردات. قال السيف علي: ماذا يهمك من وصف زوجتك؟
فقد استحسن معاوية غزل عبد الرحمن بن حسن بابنته رملة، وكانت الأمويات يحجُجنَ كل عام بحثاً عن أعين الشعراء الغزليين، فليصف زوجتك من وصف، فإن هذا يدنيها من قلبك وعينيك، والأقمار الأنوثية علامة قصور الملك، كما أن الخمر عطر الملوك.
قال الحسن: المشكلة أننا نسألها فتجيب بما يدل على علاقتها بالبردوني..
قلت لها: ما رأيك، أطلقك للبردوني، وأترك لكما البيت الذي فرشوه لي؟
فقالت: شوق عيني شوقاً.
ورآها السيف علي مارةً فأومأ إلى الحسن أن يدعوها،
فقال لها: ما يعجبك بالبردوني؟ فقالت: انظر كيف اسمه يملأ الفم: البردوني، وخرجت.
قال السيف علي: صدقت، والله إني استغربت هذا الاسم، والآن أستغرب المسمى، ويسحرني شعره.
ومرت الأيام، ولم تسكت حكاية قصيدتي، بل تفرَّعت منها أقاصيص تصورية، وتخاريج عديدة، ولما انتقلت بأخبارها إلى مقاصير السيدات تفنن أكثر، وقلن الممكن وغير الممكن.
وكانت سيدات القصور يسألنني عن عشق تلك العروس؟
وكيف ألتقيتها؟ وهل شدة حزني ترجع إلى أن الزواج اختطفها مني؟!!
هل أغنِّي يا زغاريد الشذى، وأنا أحرى بمن يرثي لحالي،
وكنت أجيب ضاحكاً، فتحدثنا كرفاق طريق، وسمعت صوت كل واحدة رفعت صوتها، ولم تختلف الأسئلة عن وجهتها العامة.
سالتني أكبرهن بلا احتشام: كيف قيثارتها؟
فقلت: ليس لها قيثارة.
قالت: فما القيثارة؟
قلتُ: آلة طرب شجية الإيقاع فصيحة التعبير.
فتقدمتْ إليَّ التي أخذتني من الطريق، ووضعت يدي على طرف حزامها، وقالت: هذه هي القيثارة.
قلت: بل أحسن من الكمنجة، وضحكت إحداهن، فاستبنت أنها أفهمهن، بدليل أنها التي استنشدتني القصيدة.
وتحلقن حولها، وتهامسن بالدهشة: انظري يا أختي منى الرحمن، هل لاحظتي سيدي عبد المحسن كيف قرأها؟ "الحرف بعد الحرف، وكأن الورقة في يده".
وكانت عبد المحسن قالت لقد نويت أن نتعشى ونسهر معاً، مسك الختام، وكانت على سفر.
فقلت: نتعشى، ونقضي السمر، ثم أعود إلى كوخي.
قالت: أرجو أن نسهر حتى تصحو العصافير، وأضافت بحدة، أنا لست غبية، فعندما تبيت عندي لا تطعم غمضة عين، ولكنك مستكين إلى الفراش على نار، وأنت تريد الذي أدعوك إليه، الله ما أصبرك!!
فقلت لها: تحملت جوع عشرين عاماً، لا أظفر بالخبز الناشف إلا نادراً.
وهنا حباً للأمانة، عادت الدكتورة، وقالت: ألا تدري أن عبد المحسن شابة جميلة أودعها الإمام كل مقاليد السلطة، وسوف ترجع إليه محمَّلة بقصيدتك، وما قيل فيها.
وظلَّت قصيدة مهرجان الشذى تجوب الأصقاع، إذْ نشرتها صحيفة "فتاة الجزيزة"؛ مسمية إياها "قصيدة القصائد"، وتسبب هذا النشر في إسكات الهمسات والنبسات، وكنت أتوجس أن تصل تهمة القصيدة إلى تلاميذي وزملائي بدار العلوم، ولم يعرف أحد عنها فكرة واضحة، وأنما أوصاف للقصيدة.
الحمد لله الدنيا لا زالت بخير.

مقالات

إسرائيل ولبنان.. حرب أو لا حرب؟!

أولاً: احتمالات الحرب حاليًا قائمة، ليس مع لبنان وحدها، وإنما مع دول الجوار: مصر، والأردن، وسوريا، ولبنان منذ احتلال فلسطين، وقيام الكيان الصهيوني في 1948، وهي الآن قائمة بصورة مباشرة مع الأمة العربية كلها، رغم تهافت الدول المطبعة وذِلتها.

مقالات

طفولة أعياد القرية!

ذكرياتنا الندية عن أعياد الطفولة شجن لا ينتهي. الحنين للمّة العائلة الكبيرة، الأحضان الدافئة للأب والأم والجدات، مرح أرواح الأطفال وهي ترسم العِيد ببهجة جذلى للقلوب الغضة، أصوات الألعاب النارية وهي تقرع جرس إيذان العِيد بالمرح الشقي، عناق الأهل وزيارة الأرحام والأقارب، سلام الجيران وتهانيهم العِيدية "المقدسة"، وعلي الآنسي.

مقالات

حكاية الزَّمَار سعيد الفاتش (2-2)

لشدّة ما كان الفقيه مقتنعاً بنجاح خطته وصوابها من الناحية الشرعية، هجم على الفاتش لينتزع منه مِزمَارَه، ولِيزيلَ المنكر بيدِه عملا بالحديث الشريف؛ لكن الزمَّار سعيد الفاتش -رغم مرضه- كان مازال قوياً، وكانت يداه مازالتا قادرتين على الضرب والبطش، ثم إنه كان منتبهاً ومتوقّعاً وجاهزاً للرد، وبمجرد أن اندفع الفقيه لينتزع المِزْمَار منه سَلّ مِزْمَارَه المعمول من خشب صلب، وضرب به الفقيه ضربةً في يده، التي امتدت لأخذ مِزمَارِه، لكن تلك الضربة لم تشفَ غليله من الفقيه، الذي ألحق به الكثير من الأذى. ولشدة ما كان موتوراً منه، ضربه ضربةً قويةً في رأسه جعلت الدَّم ينبجس غزيراً، ولحظتها صَرخ الفقيه صرخةً أفزعت وكيل الشريعة حمود السلتوم، والحاج علوان، حتى أنهما بدلا من أن يهجما على الزَمَّار -بحسب الخطة - لاذا بالفرار.

مقالات

حكاية الزَّمار سعيد الفاتش (1-2)

كان سعيد الفاتش زمَّاراً ومغنياً وقارع طبل، وراقصاً موهوباً، وحكاءً وإنساناً جميلاً، وكان مدرسةً في الحب يحب الناس ويحب الحياة ويعيشها بشغف، ويجعل كل يوم من أيامه عيداً ومهرجان فرح

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.