مقالات

مجلس القيادة الرئاسي والأسئلة التاريخية (4/3)

15/05/2025, 17:24:40
بقلم : فهمي محمد

تاريخيًا، لا يوجد مبرر لوجود سلطة سياسية يقودها أشخاص حاكمين سوى كونها كيانًا سياسيًا معنيًا بتحقيق مصلحة المحكومين.

كما أن تطوّر مفهوم السلطة، وتحوّلها من سلطة للأشخاص الحاكمين بامتيازاتهم الشخصية إلى سلطة للمؤسسات الحاكمة باسم الدولة، لم يكن سوى انعكاس ومواكبة سياسية لكفاح الإنسان في سبيل الحرية، ونتيجةً فكريةً لتطوّر الوعي الاجتماعي تجاه المسألة السياسية.  

فالإنسان الذي ذاق ذُعرًا، قبل قرون، من طيش السلطة السياسية وجنونها، وحتى من فساد واستبداد رجالها الحاكمين - كما هو الحال مع سلطة الحركة الحوثية الحاكمة في صنعاء - انطلق في رحلة كفاحه السياسي ليبتكر فكرة الدولة الحاكمة بعد أن تحوّلت السلطة في واقع الناس إلى مفسدة مطلقة. لهذا يقول "جورج بورديو" (مؤلف كتاب "الدولة"): "إن الدولة هي اللجام الذي يقيد جموح الحاكم".

ويضيف في الكتاب نفسه: "إن الدولة فكرة تُدرَك بالفكر".  

هذا يعني أن الدولة وُجدت في سياقات سياسية تاريخية نضالية، أراد الإنسان من خلالها أن تكون الدولة فكرةً حاكمةً فوق أشخاص السلطة، الأمر الذي جعل الحاكمين والرؤساء في ظل الدولة موظفين يمارسون مهامهم بموجب دستورها. غير أن ما يميِّز موقعهم الوظيفي كحُكام على رأس سلطة الدولة أنهم يظلون أصحاب مسؤولية وطنية، وفي الوقت نفسه أصحاب قرارات سياسية وسيادية تتعلق بمستقبل الشعوب ومصيرها، بخلاف الموظفين الإداريين، هذا من جهة أولى.  

ومن جهة ثانية، إذا كانت القرارات السياسية، التي يتخذها الرؤساء أو الحكام في ظل الدولة، تظل -من حيث الجدوى والصواب- قابلةً للتقييم بمعيار المسؤولية الوطنية، فإن معركة استعادة الدولة أو الانتصار لها على حساب السلطة (كما هو الحال في اليمن) لا تتطلب رئيسًا تنطبق عليه شروط الرئاسة الخالية من الموانع فحسب، بل تتطلب رئيسًا بمواصفات القائد التاريخي القادر على صنع التاريخ وتحولاته السياسية والوطنية نحو المستقبل الذي ينبغي لليمن أن تكون عليه في القرن الواحد والعشرين.  

وانطلاقًا من هذه الخصوصية في مواصفات القائد، تبرز بعض الأسئلة التاريخية، التي ستتكرر تراجيديًّا على لسان الأجيال القادمة، مثل: هل أعضاء مجلس القيادة الرئاسي هم حقًّا قادة سياسيون وتاريخيون لهذا الشعب، خاصةً فيما يتعلق بقيادة معركة الانتصار التاريخي للدولة الوطنية الديمقراطية في اليمن؟ أم هم مجرد موظفين بلا مسؤولية وطنية على رأس سلطة سياسية أصبحت مُسْلَوبة الإرادة والسيادة؟  

صحيح أن هذه الأسئلة قابلة للتجدد مع كل مستجد سياسي وعسكري في اليمن، لكن الأهم من ذلك: ماذا في جعبة أعضاء مجلس القيادة الرئاسي للرد على هذه الأسئلة التي لا مفر من تداولها على لسان الكثير من الحالمين بفكرة التغيير في هذه البلاد؟

إذا كان لسان حال أعضاء مجلس القيادة الرئاسي يقول: "نعم، نحن قادة للشعب اليمني في هذا المنعطف التاريخي"، فإن هذه (نعم) سوف تتحوّل إلى شيء من الجسارة غير المقبولة إلا بدليل إثبات.

وبدونه، فإن "نعم" هذه سوف تضع أعضاء المجلس في قفص الاتهام أكثر من أي وقت مضى، فهي تفتح محاضر تحقيق فيما يتعلق بدور القائد التاريخي في هذه الظروف، وفي الوقت نفسه تستدعي أسئلة أخرى تتعلق بالمسؤولية الوطنية تجاه الشعب اليمني، مثل:  

"في ظل سلطتكم السياسية، لماذا لم يتم تصويب بوصلة الشرعية اليمنية نحو أهدافها المستقبلية بناءً على الأسباب الثلاثة المذكورة في صدر هذه الدراسة؟  

(بمعنى: تحويل الشرعية على المستوى الوطني إلى بديل سياسي وأخلاقي على حساب سلطة الحركة الحوثية الانقلابية).  

وفي أدنى الأحوال: لماذا لم يتم تحويل سلطتكم السياسية إلى دولة حاكمة في المناطق المحسوبة على الشرعية؟  

(بمعنى: خلق النموذج الوطني الذي يعزز ثقة الداخل والخارج بالشرعية كسلطة سياسية ومشروع سياسي).  

وفوق هذا وذاك، من معركة البنك المركزي مع الحركة الحوثية وحتى العدوان الأمريكي على صنعاء: لماذا تم إهدار الفرص التاريخية الكفيلة بتقويض سلطة الحركة الحوثية الحاكمة في العاصمة صنعاء، خصوصًا بعد انهيار المحور الإيراني في منطقة الشرق الأوسط؟  

(بمعنى: ماذا تعني لكم القيادة السياسية في ظل إهدار الفرص التاريخية المتعلقة بمستقبل الشعب اليمني؟ إذا كان إهدار فرصة واحدة لا يعني فقط منح الحوثيين مزيدًا من القوة والثبات في مناطق سيطرتهم السياسية والعسكرية، بل يمنح منابرهم الإعلامية والسياسية أصواتًا عالية تعزز معنويات أنصارهم وحاضنتهم الشعبية، بعكس التذمر الشعبي الذي يحدث في مناطق الشرعية!).

مقالات

الحوثيون في حرب إيران: ترقب اللحظة أم حسابات تجنب المواجهة؟

لم تكن الحرب العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، في 28 فبراير/شباط 2026، مجرد حلقة جديدة في مسار التوترات التي تشهدها المنطقة منذ سنوات؛ فقد تحولت تلك الضربة سريعا إلى حدث مفصلي مع الإعلان عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، وهو تطور أربك موازين المحور الذي بنته طهران عبر عقود.

مقالات

تحركات أمريكية في البحر الأحمر تبدد الهدوء الذي يسود جبهة اليمن

هذا هو اليوم التاسع من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ومع ذلك لا يزال شمال اليمن يشهد هدوءً مشوباً بالحذر، ناتج عن عدم إعلان جماعة الحوثيين حتى الآن خطة لإسناد عسكري لطهران، من شأنها أن تضع اليمن مجدداً كساحة محتملة للحرب، يأتي ذلك وسط استعدادات أمريكية ميدانية شملت حتى الآن نشر حاملة الطائرات "يو إس أس جيرالد فورد" وهي أكبر حاملة طائرات، بالتزامن مع البدء بتسيير طائرات بدون طيار في سماء العاصمة صنعاء لأول مرة منذ أشهر.

مقالات

جبهة اليمن المشتعلة بين حسابات طهران وتكتيكات صنعاء

في خضم الحرب المحتدمة بين الولايات المتحدة وإيران (منذ 28 فبراير 2026)، يبرز البحر الأحمر وخليج عدن كجبهة توتر إضافية بالغة الخطورة، قد لا تحسم مصير الحرب ولكنها بالتأكيد قادرة على المساهمة في إعادة تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي وإطالة أمد الصراع. وفي قلب هذه الجبهة، يقف الحوثيون (أذيال إيران) في اليمن

مقالات

خناقة في أمريكا

أقوى وأغنى دولة في العالم، تشن حربا بكل قوتها على دولة نازفة محاصرة متهتكة داخليا ومكروهة اقليميا ومع هذا فإن ترامب مُشوَّش ويتخبط.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.