مقالات

"مدرسة الاجتهاد" وصيانة الوحدة الوطنية

24/11/2021, 06:19:04
بقلم : محمد صلاح

لعبت مدرسة الاجتهاد اليمني، منذ القرن السابع عشر الميلادي، الدور الأكبر في تحقيق الاندماج الوطني، وذلك عبر إرساء قِيم التسامح والانفتاح، وتقبّل الرأي الآخر، ومن خلال عمليات التلاقح الفكري، والتتلْمذ المتبادل بين اتباع المذهبين.

وقد أسهم روّاد مدرسة التجديد في ترسيخه، في ظل ظروف بالغة الصعوبة، إذ كانت الأوضاع السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، يهيمن عليها فساد السلطة، وتهالك الطبقة السياسية الحاكمة، وضف الاقتصاد، والتمزّق الاجتماعي بسبب سُوء الإدارة، والتعصّب المذهبي الذي كان يغذيه، ويعززه المقلّدة والمتعصبون من أصحاب النفوذ، لأجل تحقيق منافعهم الخاصة.

كما رسّخت كتابات ومؤلفات علامة اليمن ومجددها، محمد بن علي الشوكاني، التقارب بين مختلف التيارات اليمنية، بل إن كتابه (نيل الأوطار) يقدّم نموذجا فريدا للتقارب بين المذاهب الإسلامية المختلفة.

كان من أبرز المشكلات، التي سعى علماء مدرسة الاجتهاد اليمني لمحاربتها ووضع حدٍ لها، قضية تمزّق الأمة الإسلامية، وتشتتها، وتفرّقها، لذلك وجهوا عنايتهم إلى مواجهة أسبابها، من أجل إعادة بناء المجتمع اليمني، بصورة خاصة، والمجتمع الإسلامي بصورة عامة، وقد وجد روّاد التجديد في اليمن أن العامل الرئيسي لحالة الضعف، والانهيار، يكمن في التعصّب، والتمذهب، الذي سببه إغلاق باب الاجتهاد. 

فالتقليد -في نظر الشوكاني- هو سبب أزمة الأمة الحضارية، وإن البعث الحضاري يحتاج إلى إعادة تحرير بنية العقل المسلم، من ربقة التقليد، بإقامته على مبدأ الاجتهاد، ف"المحلل لأجزاء نظرية الاجتهاد والتقليد عند الإمام الشوكاني وفكره الأصولي، ومنهجه في الدراسات الفقهية والتربوية يدرك أن تحريم الشوكاني التقليد ودعوته إلى الاجتهاد هـو الطريق السليم في نظره إلى تحقيق الوحدة الفقهية بين المسلمين" [حليمة بوكروشة- "معالم تجديد المنهج الفقهي... أنموذج الشوكاني"، ص 241، "سلسلة كتاب الأمة"].

لذلك لم يتوقّف دوره بالدعوة إلى فتح باب الاجتهاد، بل"تفرّد الشوكاني بتقديمه تحليلا اجتماعيا متكاملا -إلى حد بعيد- لظاهرة التقليد، وهو ما لا نجد له أثرا في المحاولات السابقة عليه أو اللاحقة له، فبيّن الأساس التاريخي لدعوى التقليد، والعوامل التي استندت إليها، وأفاض في تحليل مواقف الفئات المختلفة منها، كالعلماء والساسة والعامة، وأتى على ذكر الصعوبات الاجتماعية التي تواجه دعاة الاجتهاد في عصره، وعلاقاتهم بالعلماء المقلّدين، وبيّن الآثار السلبية للتقليد على أفراد الأمة وعلى الشريعة"، [فاطمة حافظ "الجذور التاريخية لحركة الاجتهاد في العصر الحديث"، مقالة على موقع إسلام أونلاين]

وقد تميّزت أطروحات الإمام الشوكاني عمّن سبقه من علماء الإسلام المصلحين، ومن تلاه، في طرح البرامج الاجتماعية ووضع الحلول لها، وكان في مقدّمة علماء اليمن المجتهدين في قراءة المجتمع، والغوص في مشاكل السلطة، وأحوالها، والفساد المستشري في مفاصلها، وتأثير ذلك على أحوال الأمة، بل وأثبتت كتاباته -كما يؤكد الدكتور سعد إبراهيم- امتلاكه "أسبقية زمنية ومبدأية، باعتباره مؤسساً ومفتتحاً للتفكير في قضايا الفساد والتعصّب المذهبي والفكري والظلم الاقتصادي، مقارنة بالطلائع الأولى من مفكري المرحلة التأسيسية. [د. سعد إبراهيم العلوي "فكر الشوكاني الاجتماعي وموقعه من الفكر الاجتماعي العربي الحديث"، ص161، مجلة "الأندلس" للعلوم الإنسانية والاجتماعية، عدد 15، مجلد 16 يوليو – سبتمبر 2017]. 

وبذلك سبقت الأطروحات الإصلاحية في اليمن أطروحات التنوير في العالم العربي، التي جاءت نتيجة للصدمة الحضارية، والتحدّي الذي سببه قدوم الغزو الأجنبي. 

كان منهج شيخ الإسلام القاضي محمد بن علي الشوكاني، الذي سار عليه في كتاباته، ومؤلفاته المتعددة، واجتهاداته، التي طبّقها، على العديد من القضايا التي تطرّق إليها هو البحث عن الدليل، فلم يعتمد على أقوال مذهب بعينه، بل اقتفى أثر الدليل، حتى وإن عارض بذلك "الجمهور"، غير مهتم بموافقة هذا المذهب أو ذاك، حيث امتاز بالتحرر المذهبي، والفكري، وعدم التعصّب، أو الانحياز لجماعة معيّنة، أو لإمام مذهب بذاته، و"مثل هذا المنهج يمكنه أن يُطبَّق في سبيل محاولة التقريب بين المذاهب التي نراعي فيها عدم التعصُّب والتقليد الأعمى، وذلك عن طريق الأخذ من أيِّ مذهبٍ له دليلٌ قوي من  الكتاب أو السنة الثابتة، والأخذ بالأيسر والأوفق، وكذا الأرفق للناس، والأخذ بالأقرب ملاءمةً لروح الزمان ومقتضيات العمران والأوفق للمصلحة، والأقرب كذلك للسعادة البشرية، [معلمين محمد شهيد الترجيحات الفقهية عند الإمام الشوكاني في كتابه (نيل الأوطار)، رسالة ماجستير غير منشورة، 2003] 

إن لفت النظر إلى وجود مدرسة يمنية تتجاوز المذاهب، هو ما يجب الإلحاح والتأكيد عليه، بعيدا عن الثنائيات القاتلة (سني شيعي)، التي يحاول الكل حشرنا بداخلها. وأنه من الصعب علينا في اليمن تجاوز هذه الثنائيات من خلال دعم جماعة دينية لمواجهة جماعة أخرى معارضة، بل بإحياء مدرسة التجديد والاجتهاد اليمني، التي تقوم على الدليل، فهي المدرسة القادرة على مكافحة كل الانبعاثات المذهبية، وتجاوزها، سواء القادمة من الخارج، أو من التاريخ المتعفن.

إن استلهام مشروع مدرسة الاجتهاد التجديدية يعتبر الخطوة الأولى نحو صيانة الوجدان اليمني، من التفكك والتهتّك، وهو الأساس الذي يستطيع اليمنيون الاستناد عليه بثبات، لضرب المشاريع المذهبية التي تستهدف تمزيق نسيج الوحدة الوطنية لليمنيين.

المصدر : بلقيس - خاص
مقالات

عيال الاحتلال

الاحتلال هو الاحتلال في كل زمان ومكان (اجتنبوا لفظة "استعمار" فهي رجس من عمل الشيطان).. والعميل هو العميل في كل زمان ومكان.

مقالات

الجار الأحمق

عادةً ما كانت توصف السعودية من قِبل جيرانها الخليجيين بـ"الأخ الأكبر". مضت سنوات، ولم نعد نسمع هذه اللهجة المفضّلة بعد أن عصفت الأزمات بالتكوين الخليجي بشكل غير معهود.

مقالات

صورة اليمني المتهتّكة!!

صورة الإنسان اليمني المتهتّكة في وعي الخارج بدأت مع استكلاب السلطة وجشعها، ومهّدت لذلك عوامل عديدة، على رأسها الرَّجة الكبرى في المنطقة التي بدأت مع الثورة الخمينية في فبراير1979، ثمّ معاهدة السلام التي أبرمتها سلطة السادات مع الكيان العنصري المحتل في مارس 1979، ثمّ دخول القوات السوفيتية أفغانستان في ديسمبر 1979، وقيام حرب الخليج الأولى (الحرب العراقية- الإيرانية) في سبتمبر 1980؛

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.